في مسار السلطتين الثالثة والرابعة: الموقف الصواب ،أمام الموقف الخطأ في الوقت الخطأ

الموقف الّذي اتخذه الصحفي حمزة البلومي إزاء قرار أحد مكاتب التحقيق بتونس بإيقاف بث واحدة من «الحقائق الأربع»

الّتي كانت ستتناول وفاة عدد من الولدان بمستشفى الرابطة ، ينمّ عن احترام لقرار قضائي و تقدير في محلّه لما يجب اتخاذ ه في ظرف وجيز و حسّاس ، يحسب له و لكلّ من استشاره، لأن الإذعان للقرارات القضائية يندرج ضمن متطلبات دولة القانون والمؤسّسات في ظرف عرفت فيه تونس كل أنواع التجاوزات والخروقات حتى من هيئات وهياكل يُفترض أن تعطي المثل على احترام القوانين والسلطات المضطلعة بتنفيذها.

هذا الموقف السليم كان ردّا على قرار فيه خرق للقانون لأنه اُتخذ خطأ و دون موجب لمؤاخذته على فعل لم يرتكب بعد وقبل أن يثبت تجريمه، ودون الإستناد إلى نص قانوني ودون احترام النصوص الاجرائية الّتي تنظم أعمال التحقيق.

ونقف مرّة أخرى أمام خط التماس بين الاجتهاد والخطأ ، وأثار ذلك على الحقوق والحريات ، وهو الأمر الّذي ما فتئ الحقوقيون في تونس و خارجها ينبهون إليه، ويدعون إلى وضع مؤسّسات توفّر الضمانات الضرورية للأفراد والمجموعات ، لتجنّب الأخطاء وتقليص هامش الاجتهاد إذا كان الأمر يتعلّق بالحقوق الأساسية الّتي تبنى عليها دولة القانون والمؤسسّات.
ومن المفارقات أن تكون الصحافة وإحدى المؤسسات القضائية اليوم ، وجها لوجه ، بعد أن وقع التداول على استهدافهما في فترة حكم الترويكا ، حيث عاشت تونس فترات كانت فيها سلطة القضاء والصحافة في صدارة الأحداث والتجاذبات، وكانتا مستهدفتين للضغوطات ومحاولات التطويع لمنعهما من تأمين الانتقال الديمقراطي ولتحجيم دورهما.
ومن المفارقات أيضا أن الّذي حصل يعيد إلى الأذهان المقارنة مع ما كان يجري قبل جانفي 2011 عندما كانت الرقابة المسبقة للإعلام هي النافذة في أطر شبه قانونية تتحكّم في الأعمال والنوايا و تحاكمها، وساد الإعتقاد بأن ذلك العهد ولّى دون رجعة ،و لكن شهدت الفترات الأخيرة ، تصرّفات تؤكّدُ أن الردّة ممكنة في أي وقت، وأن فضاء الحرية قابل للتضييق ومستهدف للتحكم فيه لأغراض سياسية، وهو ما يدعو لمضاعفة الحذر.

هذا الحذر مطلوب من أصحاب السلطتين الثالثة و الرّابعة ، الّلتين لا معنى لاستقلاليتهما، ما لم يكن الممارسون لهما مسلحين بقيم الحق والحرية والعدالة والنزاهة.

و الخطير أن تظهر بوادر توظيف بعض من سلطة القضاء لإخماد صوت الصحافة والإعلام ،إمّا بتعلّة قراءة خاصة لمخالفة القوانين المعمول بها ، أو بدعوى تجنّب إثارة الرأي العام أو تحريضه أو غيرها من التعلّات ، الّتي تبقى في النهاية واهية ما لم تؤسس على أفعال يجرّمها القانون و ما لم يقع التعامل معها على قدم المساواة مع بقية القضايا الّتي يقع تداولها.
هذه الخطورة تكمن خاصة في افتعال مواجهة بين السلطتين الثالثة والرّابعة ، وهو أمر سبق اللّجوء إليه و كان منشأ توّتر وخلافات شغلت الرأي العام في أكثر من مناسبة، وهو ما يوحي بتجدّد نفس المساعي في الفترة الّتي تسبق الإستحقاقات الانتخابية المقبلة ، الّتي يكثر فيها تأجيج «الحروب» و«المعارك» الجانبية للتلهية وصرف الأنظار عن أمهات المشاكل والقضايا.

هذا لا يعني التزام الصمت عن الخطأ أو التجاوز، و لكن المطلوب التنبّه إلى المنزلقات الّتي يمكن السقوط فيها نتيجة سوء التقدير والتسرّع. لذلك يجب تثمين الحذر الّذي تمّ توخيه من فريق «الحقائق الأربع» الّذي أحرج في المدّة الأخيرة الكثير من الأطراف رغم تناوله البرقي لبعض المواضيع الحسّاسة . بهذا الموقف تمّ تجنب الدخول في صراع قد يكون تمّ الإعداد لخوضه لو لم يقع الإذعان لقرار منع البث الجزئي.

إن ما صدر عن السيد قاضي التحقيق قابل للطعن فيه و هو أمر وارد في كل أعمال التحقيق وفي مختلف أحكام و قرارات الدوائر القضائية، وهو أمر يتيحه القانون ، كما يتيح تتبع الأخطاء الشخصية أو التجاوزات غير المشروعة، وبالتّالي يمكن الاحتكام دائما للقانون ، رغم أن المسار صعب في هذا الظرف ، ولكن تبقى العزائم الصادقة و النزيهة و الضمائر الحيّة موجودة رغم محاولة توظيفها أو التضييق عليها أو طمس مجهودها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499