تونس والقرآن والإسلام: أزمة هوية أم أزمة ثقافة ؟ !

بين الفينة والأخرى تطفو على سطح الأحداث مظاهر تثير جدلا كبيرا ثم تنسى لتأتي بدلها أخرى

وهكذا دواليك دون استفادة عامة أو قرار يذكر ..

جلّ هذه المظاهر تتعلق بالدين والتدين والتمظهرات الحافة بهما وآخر ما هزّ الرأي العام ما أطلق عليه بالمدرسة القرآنية بالرقاب وهو بالمحتشد أجدر أن يوصف ثم أستاذ الفيزياء بإحدى اعداديات القيروان الذي «اجتهد» في إقحام آية قرآنية في أحد الفروض التي قدمها لتلاميذه حول مفهوم الضغط «la pression» ورأى في آية من سورة الأنعام ما يدعم به هذا المفهوم ويرسخه نهائيا في أذهان الناشئة وقبل ذلك حملات التكفير التي طالت لجنة الحريات الفردية والمساواة ورئيستها الأستاذة بشرى بلحاج حميدة..

لاشك أننا لسنا أمام نفس درجة الخطورة ولكننا أمام مظاهر تتشارك في مسائل أكثر عمقا وجوهرية ، مسائل لم نقدر على حلها بصفة جماعية وبقيت ما بين المكبوت والمباح بحسب موازين القوى ودرجة تجند الرأي العام معها أو ضدها..

لم نجرؤ إلى حد اليوم على طرح السؤال التالي : ما هو موقع الدين ونصوصه المقدسة في المجتمع اليوم معرفيا وأخلاقيا وفي معاملاتنا اليومية ؟ وما معنى أن نقول اليوم أننا مسلمون ؟ وهل أن تديننا مسألة انثربولوجية أي ثقافية وحضارية أي تجيب عن سؤال : من نحن ؟ أم مسألة عقائدية تجيب عن سؤال ماذا ينبغي أن نكون ؟

في تونس اعتدنا على تقديم الجواب التالي : نحن متمسكون بإسلامنا التونسي الزيتوني المعتدل ..

ولكن هل يوجد اليوم فعلا إسلام تونسي زيتوني، وهل أن هذا الإسلام على افتراض وجوده معتدل أم لا ؟.

لنقر في البداية أن هذه المسائل لا يمكن طرحها إلا في تونس ، فمجرد التفكير فيها مجرّم اليوم في جل البلاد العربية ولكننا لا نستطيع في بلادنا رغم كل شيء إجراء حوار هادئ وعميق حول هذه القضايا الرئيسية في الثقافة العربية والإسلامية اليوم ..

لنحاول تثبيت بعض المعطيات الهامة في هذا الحوار الذي تأخر كثيرا في فضائنا الحضاري ..

جل التونسيين يعتبرون أن «الإسلام المعتدل» هو ذلك الإسلام الذي توارثوه في محيطهم العائلي بطقوسه وأفراحه وأتراحه وجملة العادات الحافة به ، إسلام عملي معيش لا مجال فيه للتنظير والتأصيل ، إسلام يؤقلمه كل فرد وفق مساره الشخصي والعلمي والعاطفي ويقترب منه حينا ويبتعد أحيانا ويستحضره بكثافة في الأعياد والمواسم الدينية .

هذا الإسلام السعيد ، إسلام الآباء والأجداد وذكريات الصغر، جوبه في بلادنا وفي كل البلاد الإسلامية بإسلام عقائدي نطلق عليه اليوم اصطلاحا مفهوم الإسلام السياسي ، إسلام يعتبر أن كل موروثنا الثقافي زيغ وانحراف عن «الإسلام الحقيقي» بل كفر بالعقيدة الصحيحة لأنه شرك وهو وإن أقر بتوحيد الالوهية لكنه لا يقر بتوحيد الربوبية وفق التعريف الوهابي والذي سيصبح توحيد الحاكمية عند كل مكونات الإسلام السياسي أي أن من لم يسع لإقامة حكم الله في الأرض فهو مشرك به وهو يعبد آلهة أخرى من دون الله (نعم هكذا!).

هذا الإسلام السلفي الوهابي الإخواني غزا الأذهان وفرض على شعوبنا طرح أسئلة جديدة من صنف علاقة الدين بالسياسة وتطابق التشريعات الوضعية مع الشريعة أي في النهاية حول موقع الدين في سلم القيم وفي تشكيل الوعي العام ..

الإشكال الجوهري أن إسلام الآباء والأجداد لم يجد من يدافع عنه بينما نجد للإسلام السلفي بأصنافه دعاة وتنظيمات وجمعيات وكتب ومفتين ووعاظ..

والمفارقة هي أن إسلام الآباء والأجداد هو ما كان يصطلح عليه الفقهاء بالمسلم العاصي ، هذا المسلم الذي لا يتناسق دوما قوله مع فعله والذي يطبق الفروض الدينية ببعض التصرف ولا يلتزم دوما بحدود الحلال والحرام ،هذا «المسلم العاصي» كان محور كتب الفقه في كل أبوابها منذ البدايات التاريخية للإسلام إلى يومنا هذا ولكنه لا يجد من يدافع عنه ويؤصل مواقفه إذ لا يجرؤ فقيه واحد على الدفاع عن المعاصي حتى من نعتبره ينتمي للإسلام التونسي المعتدل الذي بقي وفيا للعقلية الفقهية القائمة على ثنائية الحلال والحرام ..

ولكن هنالك مسألة جوهرية لم ندرجها بعد في مشتركنا المعرفي وهي الثورة العلمية التي غيرت تصورنا للعالم على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين وما تبعها من ثورة معرفية في علوم الإنسان والمجتمع ، ثورة جعلت من شعوب كثيرة تعيد نظرتها للكون والإنسان وتعتبر أن العلم (بمعناه الواسع) هو وحده المتحكم في دائرة المعرفة ..

هذه المسالة لم تحسم عندنا بل نجد إلى اليوم من يعتبر أن المعرفة العلمية هي دون المعرفة الدينية وان ما تقوله النصوص الدينية ، حسب فهمنا لها ، هو الحقيقة في مجالات المعرفة وان دور العلم هو تفسيرها ودعمها فقط لا غير وإن بدا تناقض بينهما تقدم الحقيقة الدينية على الحقيقة العلمية وهذا ليس فقط وجهة نظر السلفيين بل هنالك العديد ممن نسميهم بالمسلمين العاديين من يشاطرون هذا الرأي .

قيل أكثر من 800 سنة قال الفيلسوف الكبير ابن رشد في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال » أن النظر الفلسفي واجب وأن التعلل بأن الفلسفة هي من علوم غير المسلمين مرفوض وأن الأخذ بالفلسفة لا يرد بمثل هذه الحجة وانه عندما يبدو تناقض بين الحقيقة الشرعية والحقيقة الفلسفية فيجب تأويل الأولى لتكون موافقة للثانية ..

قيل هذا الكلام في القرن الثاني عشر ميلادي أي قبل انفجار الثورة العلمية بحوالي خمسة قرون ونحن مازلنا نتحدث عن «علم اجتماع إسلامي» وعن هذا المفهوم الغريب «التفسير العلمي للقرآن» في محاولة يائسة لبحث عن توافق بين مجالات مختلفة جذريا .. بين رسالة روحية وعلوم بشرية ورفض طفولي للاعتراف بأن مجال الدين لا يمكنه أن يطغى على كل شيء.. إن أكبر إساءة للدين هي تلك التي نقوم بها إذ نريده أن يكون في منافسة غير متكافئة مع العلم ونريده أن يحسم في النظريات والحقائق العلمية في تحويل تام لوجهة الدين والتدين وذلك لغلبة العقل الفقهي على العقل( أو الذوق) الروحي، غلبة تأكدت مع هيمنة السلفية الوهابية على مجال التدين عندنا ..

التدين حاجة أصيلة عند البشرية والحديث عن إلغاء الدين أو التدين لا معنى له ولكن فرض الدين أو بالأحرى رؤية معينة للدين على العلم والمعرفة والمجتمع هو التمهيد لحدوث صدام بينه وبين الحياة ..

لقد قال الفيلسوف الألماني العظيم إمانويل كانط انه وضع حدا للعقل حتى يترك مجالا للإيمان.. اليوم يجب أن نقول إن الدفاع الفعلي عن الدين هو أن نضع له حدّا حتى لا يهيمن على كل الفضاءات ، والمجال الفعلي للدين لا يتعلق لا بالمعرفة العلمية ولا بتنظيم المجتمع ولا حتى بالهيمنة على مجال الأخلاق والحياة الخاصة للأفراد.. المجال الحقيقي للدين هو في بعده الروحي الصوفي المتعالي ، ذلك البعد الذي يتهمه الفقهاء ولا يثقون فيه ..

صحيح ان نقاشا عميقا حول موقع الدين ودوره في الحياة المعاصرة لا يمكن أن يكون خاصا بتونس فنحن نشارك مليارا ونصف المليار من البشر في نفس الديانة ولكن بلادنا هي وحدها القادرة في الفضاء العربي على تعميق الحوار حول هذه المسألة وعلى الشروع في تحديث جدي لوعي شعبنا وفي التمييز الضروري بين مختلف مستويات المعرفة والثقافة ..
بلادنا لا تعيش أزمة هوية كما يعتقده البعض بل أزمة ثقافة .. والأزمة ليست دوما سلبية بل هي مرحلة تاريخية تسمح لنا بإعادة طرح المشاكل الجوهرية بشكل جديد وبحلول مستحدثة..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية