في ضرورة التشخيص الجيد لمشاكل تونس

ماذا عسانا أن نقول عن وضع البلاد اليوم ؟«من سيء إلى أسوأ» كما أكد ذلك رئيس الدولة نفسه؟

أم أنه بصدد التعافي النسبي كما تردد الحكومة والأحزاب الداعمة لها؟ هل تونس فعلا مرتهنة لدوائر القرار المالي الدولي ؟ ومن المسؤول عن كل هذا ؟ حكومة الشاهد وحلفاؤها أم منظومة الحكم بأسرها أم كل حكومات وأغلبيات ما بعد الثورة أم الثورة في حد ذاتها ؟
من يستمع إلى التعاليق والسجالات اليوم يجد من كل شيء بطرف ، ويجد اصطفافات غريبة وتحالفات موضوعية عجيبة حتى لا تكاد تميز بين خطاب الصف الثاني من رجالات بن علي الذين عادوا الينا في ثوب المعارضين الشرسين وبين المعارضين الراديكاليين الأمس واليوم ، ولم نعد كذلك قادرين بصفة خاصة على قراءة واضحة لما ينسج فوق الطاولة وتحتها بهدف خلط الأوراق واللعب على العواطف من اجل التموقع مجددا في الخانات القديمة بعد الانتخابات العامة في نهاية هذه السنة ..

نعيد ونكرر بأننا مازلنا في بداية البدايات وأننا سنستمع خلال الأسابيع والأشهر القادمة إلى كل أصناف خطب التبرير والعجز لأصحاب « ليس في الإمكان أبدع مما كان» لا لشيء إلا لأن هؤلاء ماسكون بالسلطة اليوم وخطب الديماغوجية والشعبوية ولسان حالهم يقول «صوتوا لنا وسوف ترون المعالي»..
والإشكال ليس بالأساس في خطب التمجيد باسم الواقعية أو في بعض الخطب الديماغوجية باسم مصباح علاء الدين التونسي «تغيير منوال التنمية» .. الإشكال كل الإشكال هو في استعادة المناخات الانتخابية لسنة 2014 بشكل أسوأ منها بكثير ، إذ رغم غلبة الايديولوجيا على البرامج الاقتصادية والاجتماعية في 2014 إلا أن هنالك نوعا من الوضوح فيها ولكن اليوم وكأنما يراد أن يختلط الحابل بالنابل وأن تعم الفوضى الذهنية حتى لا يختار التونسيون برامج للحكم بل شبكات زبونية قديمة أو جديدة أو أوهاما سرعان ما تنقشع ..
الحل يكمن بدءا في وقف حرب التراشق يمينا وشمالا والتمييز بين مختلف مستويات الخطاب وأن نتجنب، قدر الإمكان، المزج والتعويم ..

قد يبدو للبعض بـأن هنالك اتفاقا حول التشخيص وأنّ الخلافات تبدأ مع التفكير في الحلول، وفي الحقيقة فنحن لسنا متفقين في التشخيص بل لعلنا لم نبدأ عملية التشخيص الجماعي بصفة جدية .. لأن التشخيص الجيد والدقيق يفرض أفقا من الحلول لا تناقض كبير بينها في حين أن المستمع للحوار السياسي والاجتماعي في بلادنا قد يخيل له أن الحلول الممكنة قد تذهب من النقيض إلى النقيض ..

للخبراء الحقيقيين دور أساسي في التشخيص الجيد لواقعنا الاقتصادي والمالي والاجتماعي ،ورغم أننا لسنا في مجال علوم صحيحة يستحيل معها الخلاف الهام ولكن عندما يتأسس الخلاف في التشخيص على علم ومعرفة وتفسير جدي لمختلف أبعاد قضية ما يستفيد السياسي ويستنير الرأي العام ونخلق بذلك فعلا فضاء عاما قائما على تقاسم ثقافة مشتركة وإن تنوعت أو حتى تناقضت ..

كيف نربط بين جباية عادلة ولكنها محفزة للمبادرة وبين إدارة ناجحة ولكنها لا تستنزف المالية العمومية واستثمار لا يؤدي إلى تداين ..؟
كيف نخلق الثروة في الجهات الداخلية بدلا من السياسات التوزيعية قصيرة النظر والمدى ؟

كيف نرتفع في سلم القيم اقتصاديا ، اي كيف ننهض بمستوى القيمة المضافة لمنتوجاتنا وخدماتنا ؟ كيف نحصّن منظومات إنتاجنا الفلاحي الذي حققنا فيها الاكتفاء الذاتي بل والتصدير كالألبان واللحوم البيضاء والبيض بالإضافة إلى نقاط قوتنا الأساسية في زيت الزيتون والتمور والقوارص؟ وكيف نصلح منظومتنا التربوية والتكوينية لتكون قاطرة الرفع في سلم القيم وخلق القيمة المضافة العالية؟..

هذه بعض مسائل تونس الحارقة اليوم وهي تحتمل ،ولاشك ، إجابات مختلفة وترتيب أولويات متعددة ولكن التشخيص الدقيق والعميق لهذه المشاكل سوف يفرز ضرورة جملة من المتاحات يمكن أن يحصل اتفاق واسع حول بعضها .. ولكن بالطبع هذا التمشي العقلاني يتناقض مع التنافس الشرس وغير النزيه الذي نرى بواكيره عند العديدين ذات اليمين وذات الشمال ..
ما نخشاه ان تغيب هذه القضايا الجوهرية عن الصراع السياسي والانتخابي وان تستعيض عنها جل القوى السياسية بمسائل جزئية وبصراعات سياسوية هدفها الوحيد ربح معارك المواقع فقط لا غير ..
المناخات الانتخابية لسنة 2014 جعلتنا ،تقريبا، نخسر خماسية كاملة اذ لم ننجز فيها إصلاحات جوهرية تذكر والخشية ان يستمر الوضع في الخماسية القادمة بأسماء جديدة / قديمة وبتحالفات جديدة / قديمة أيضا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115