بعد ختم تقرير أعمالها: هيئة الحقيقة والكرامة تبحث عن نفس جديد

في الوقت الّذي كنا نعيش فيه على وقع المفاوضات بين الحكومة والمركزية النقابية حول الزيادة

في أجور الوظيفة العمومية و مخرجاتها وتسجيل خطوة هامّة نحو الحل بملامسة نفس الزيادة في أجور القطاع العمومي، تعود هيئة الحقيقة والكرامة إلى قلب الحدث.
بهذا يبقى الحبل على الغارب في تواصل المجادلات الصاخبة الّتي أصبحت تميّز المناخ السياسي في تونس،الّتي ستكون مقبلة على نسق مرتفع بسبب حملات الإعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة .

فبعد أن فرضت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة مواصلة نشاطها إلى موفى جانفي 2018 ، بدأت تبحث عن سبل التمديد في مهامها بأي غطاء كان، لتضمن تواجدها على الساحة السياسية تحت اليافطة اللامعة لـ «العدالة الانتقالية» الّذي غشّى مسارها ضباب أضعف فيها الرؤيا و البصيرة.

مبّرر رئيسة الهيئة لمواصلة بقائها بعد أن تم ختم التقرير النهائي لأعمالها و تسليمه لرئيس الجمهورية ، يتمثل في مهمّة تصفية اجراءات تسليم قرارات جبر الضرر الّتي تذكرتها في آخر أيام انتهاء مهامها ،و كان ضمن طلب رفعته إلى رئاسة الحكومة لنشر قرار ضبط اجراءات الأعمال الختامية والتصفية بالرائد الرسمي مع تواصل تمتع رئيستها و أعضائها بنفس الامتيازات، مع امكانية انعقاد مجلس الهيئة في أي وقت .

بالرجوع إلى القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلّق بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها يتّضح ان التقرير النهائي المحمول على الهيئة إعداده، يتضمّن الحقائق التي توصلت إليها بعد التثبت والتحقيق،و تحديد المسؤوليات،و الأسباب التي أدت إلى الانتهاكات المشمولة بقانون العدالة الانتقالية ، والتوصيات الكفيلة بعدم تكرارها في المستقبل،و التدابير الواجب اتخاذها للتشجيع على المصالحة الوطنية وحماية حقوق الأفراد وعلى الأخص حقوق النساء والأطفال والفئات ذات الاحتياجات الخاصة والفئات الهشة،و التوصيات والمقترحات والإجراءات التي تعزز البناء الديمقراطي وتساهم في بناء دولة القانون،والتوصيات والاقتراحات المتعلقة بالإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية والقضائية والإعلامية والتربوية والثقافية وغيرها التي تراها لتجنب العودة إلى القمع والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وسوء التصرف في المال العام.

و بعد تمكين الرئاسات الثلاث من نسخة من التقرير الختامي تسلّم الهيئة كل وثائقها ومستنداتها إلى الأرشيف الوطني أو إلى مؤسسة مختصة بحفظ الذاكرة الوطنية تحدث للغرض.

حسب نصوص هذا القانون الأساسي تنتهي مهام هيئة الحقيقة و الكرامة، بإتمام المهمة تسليم الوثائق ، لتتولّى الحكومة إثر ذلك وبالتحديد خلال سنة من تاريخ صدور التقرير الشامل عن الهيئة ، إعداد خطة وبرامج عمل لتنفيذ التوصيات والمقترحات التي قدمتها الهيئة وتقدم الخطة والبرنامج إلى مجلس نواب الشعب لمناقشتها. على أن هذا الأخير هو الّذي تكون له مهمّة مراقبة مدى تنفيذ الهيئة للخطة وبرنامج العمل من خلال إحداث لجنة برلمانية خاصة للغرض تستعين بالجمعيات ذات الصلة من أجل تفعيل توصيات ومقترحات الهيئة.

فمقتضيات القانون واضحة لا لبس فيها، ولا وجود لمهمة تصفية لاحقة للتقرير الختامي الشامل ولا إلى مواصلة التمتع بالامتيازات لرئيسة وأعضاء الهيئة، و لا لمواصلة تسليم قرار جبر الضرر، و بالتّالي فإن في صورة عدم انجاز مهمّة من المهام أو استكمال انجازها، فإنه بالإمكان تضمين ذلك ،ضمن التوصيات أو المقترحات المحمول تنفيذها على الحكومة خلال سنة تحت رقابة مجلس نواب الشعب.

ولكن البحث عن مبررات التمديد و مواصلة التمتع بالإمتيازات بدعوى تسليم قرارات جبر الضرر، يتضمّن اللّعب على وتر حسّاس يخصّ المعنيين بجبر الضرر المتعلّقة بأتباع حزب النهضة و الدوائر المقرّبة منه التي تشكلّ أهم نسبة من المنتفعين المحتملين ، لذلك تريد رئيسة الهيئة أن تضمن مساندة النهضة لها في تمتيعها بما تعتبره مهمّة تصفية . و لا شك أن النهضة تريد الحفاظ على هذه الورقة للكسب الانتخابي ولترضية أتباعها و تمكينهم من حوافز التعبئة والاستقطاب.

لذلك نرى رئيس الحكومة يتبنّى خطاب طمأنة لإتمام مجريات العدالة الانتقالية و هي رسالة لمسانديه الحاليين في الحزام الداعم لحكومته، ولكن سيبقى حزب النهضة ينتظر «الملموس» لأنه كما يقول المثل «ما يصدّق إلاّ ما يعنّق» وعندها سيكون على استعداد للتخلّي نهائيا و للأبد عن سهام بن سديرين و هيئتها.

فالظرف الحالي الذي تحتدم فيه الهواجس الانتخابية ، مهيّأ لكل التفاعلات الّتي يُعتقدُ أنها تحقّق الكسب و تجلبُ التعاطف لذلك شكّل قول سهام بن سدرين أن جزءا من أرشيف رئاسة الجمهورية قد اختفى ، طُعْمًا لإثارة زوبعة في الساحة السياسية ،نجم عنه إثارة حفيظة الرئيس السابق المنصف المرزوقي إثر ربط اختفاء الجزء المذكور بفترة رئاسته، الأمر الّذي جعل عماد الدائمي عضو الهيئة السياسية لحراك تونس يصرّح لإذاعة موزاييك أمس السبت 5 جانفي الجاري ،أن الرئيس السابق المنصف المرزوقي سيرفع قضية لمحاكمة المستشارة والناطقة الرسمية بإسم رئاسة الجمهورية سعيدة قراش الّتي اتهمته بالتفريط في قسط من أرشيف الدولة لأطراف أجنبية، وكان ذلك رغم اعتذارها على موقعها الشخصي بشبكة التواصل الإجتماعي.

شرارة انطلاق ردود الفعل هذه و غيرها سنشهد الكثير منها خلال الأشهر القادمة ، وسنشهد مزيدا من التجاذب حول هيئة الحقيقة والكرامة و حول تعويض الضحايا ومسار القضايا المرفوعة أمام القضاء المختص بالعدالة الانتقالية، وسيتواصل العمل «بالمكشوف» في ظرف أصبح الإعلان عن رفع الشكاوى وحتى المحاكمة بصفة مسبّقة، أمرا متاحا متداولا بكل سهولة وبساطة، في منازلات عكاظية لا ضوابط لها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا