ما ذا تخبّئ سنة 2019 ؟

في سنة 2015 كان الأمل «ثائرا»، وفي 2016 كان الأمل عابرا، وفي 2017 أصبح الأمل غائرا ، وفي سنة 2018 أضحى

الأمل نافرا، و نحن على أعتاب سنة 2019 بدا الواقع جائرا و الأمل مُنهكا وحائرا . والسبب : الضبابية والتذبذب الّذي يعيشه المجتمع السياسي، بحيث ستبقى سنة 2019 تجرّ تلابيب سنة 2018 ومخلفات السنوات الأخيرة و تبعات السياسة الّتي تمّ انتهاجها في أول مدّة نيابية للجمهورية الثانية.
فبعد وضع الدستور الجديد و نجاح الإنتقال من المؤقت إلى الدّائم كان المنتظر أن يشهد المجتمع تحوّلا نوعيا لصعود أغلبية كانت تحمل رغم هشاشتها آمالا عريضة للفئات الّتي رفضت الصمت ، وخيّرت أن تساهم في إختيار من سيحكمها لخمس سنوات .
ومرّت سنة 2015 في ضبط الأوتار ، و لكن كانت حاسمة في رسم المسار ، بدأت تلوح فيه اخلالات حُكم تغلب عليه توجهات ثُنائية ساعية إلى الاحتكام إلى توافق مختل بسبب الاختلاف في المشاريع و المرجعيات و النوايا.
وجاءت سنة 2016 بتوتراتها و مخاوفها، وبتجاذباتها و إنقسامات نخبها النشيطة في المجتمع السياسي ، و كانت سنة البحث عن منافذ الإنقاذ على أنقاض سنوات عجاف تميّزت بالتسيّب و الإنفلات و تغليب رفع الشعارات على السعي إلى تحقيق إنجازات جديدة في نمو الإقتصاد و تقدّمه. و اختار الماسكون بالسلطة، التعويل على مزيد التداين لتوفير الموارد ، وبالسعي إلى التهدئة الإجتماعية بأنصاف حلول غير مؤّمّنة كما ينبغي. فحكومتا الصيد والشاهد رغم إحاطة مؤسسة رئاسة الجمهورية لهما، دارتا في حلقة ضيّقة وملغّمة بسبب ما عاشه نداء تونس من إنقسامات من جهة ، ومن جهة أخرى ،بسبب سياسة حركة النهضة المخاتلة والمتذبذبة ،و من جهة ثالثة بسبب ضعف بقية المشاريع السياسية الّتي يمكن أن تشكّل دعامة لحزب الأغلبية الهشّة ،أو مقنعة كي تأخذ مكانة متقدّمة في المجتمع السياسي الفاعل
و تمّ توديع سنة 2016 على وقع وعود دفع الإستثمار في كل المجالات، تاركة «إرثا ملغّما» يصعب تجاوز تبعاته إقتصاديا و اجتماعيا
ثم حلّت سنة 2017 محمّلة بالتطلّع إلى غد أفضل ، تمنينا أن تكون سنة مغالبة التمنّي بالإرادة الفاعلة ، و لكن لا شيء تغيّر ، بل تعمّق التشرذم و التنافر و تعمقت الأزمة و ضاقت الآفاق السياسية .
في بداية سنة 2018 كان المنتظر أن يقع استخلاص النتائج من تجربتي إتفاقي قرطاج الأول والثاني ، للاهتداء الى الحلول الكفيلة بختم الخماسية باستكمال تركيز المحكمة الدستورية و تثبيت التجربة الديمقراطية بانتخابات بلدية قادرة على تغيير وجه مختلف الجهات ، و لكن فشل المسعى الأوّل وتحقق الجزء التقني من انتخابات البلديات و لكن فشلت التجربة في تغيير سمات الشأن البلدي الّذي بقى تقريبا على حاله، ممّا أضعف الإعتقاد لدى عامّة الناس بتوفّر امكانيات الاصلاح .
وشهدت السنة الّتي نودعها ، إنشطار السلطة التنفيذية و تعطّل مجريات التوافق بين حزبي الأغلبية ،و تغيير خارطة الكتل النيابية ، و الدخول في تنازع مفتوح بين حلفاء الأمس و تشكل ائتلاف جديد ، و تحوّل حزب نداء تونس الحزب الأغلبي الّذي كان من المفترض أي يمسك السلطة إلى حزب معارض بقيادته ،و مشارك في الحكم بمن غادره، و ذلك في نمط مستحدث لم تشهد تونس مثيلا له .
على هذا النحو نستقبل سنة 2019 السنة الأخيرة في خماسية أول حكومة في الجمهورية الثانية . نستقبلها دون محكمة دستورية ، ودون هيئة مستقلّة للإنتخابات ،و دون أن تتوصل المفاوضات بين المركزية النقابية والحكومة إلى اتفاق حول الزيادات في أجور أعوان الوظيفة العمومية ،و دون حل لأزمة الخلاف بين الحكومة و الجامعة العامّة لأساتذة التعليم الثانوي ،و دون نزع عدّة فتائل تشتعل هنا و هناك .
والأمر لن يتوقّف على هذا فقط ، بل ستُطرح مجدّدا أمام مجلس نواب الشعب مسألة رفع السر المهني بعد أن قبلت الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية مشاريع القوانين طعن المحامين في الفصل 36 من قانون المالية لسنة 2019 الّذي سيحيله له رئيس الجمهورية لإعادة النظر فيه، في حين سيتولى رئيس الجمهورية التوقيع على قانون المالية دون الفصل المذكور ليصبح نافذا .
فضلا على كل هذا سيكون الشهر الأوّل من سنة 2019 محلّ تخوف و إنتظار : تخوّف من موجة الاحتجاجات و التحركات المتفرّقة ،و من تبعات الإضراب العام المقررّ ليوم 17 جانفي المقبل إذا فشلت المفاوضات بين المركزية النقابية والحكومة.
وإنتظار، لتجاوز الخلافات المتعلّقة بالهيئة العليا للانتخابات و لتركيز المحكمة الدستورية، ولاتضاح الرؤية بخصوص تشكّل هيكل جديد بقيادة الشاهد أو غيره ، و لمؤتمر نداء تونس، و لما قد ينشأ من مستجدات في «التحالف» أو «التقارب» بين النهضة والحزام الّذي تألف حول رئيس الحكومة .
إن تباشير السنة الجديدة محمّلة بالتساؤلات المرفقة بالمخاوف ، و لكن لا مناص من أن نستقبل كل جديد بمسحة من التفاؤل ، لأنه لا حياة في النهاية بدون أمل ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية