سؤال تونس الجوهري: ماهي مداخل التنمية الإدماجية المتكافئة ؟

بعد ثماني سنوات من اندلاع الحراك الثوري الذي أدى إلى رحيل بن علي وبداية بناء مسار جديد

ينعم بثمار الحرية ولكنه متعثر اقتصاديا واجتماعيا هنالك سؤال محوري طرحه بعضهم ولكننا لم نقدم عنه بعد أجوبة مشتركة : كيف السبيل إلى تحقيق تنمية إدماجية متكافئة ؟ وفي الحقيقة هذا السؤال كان محور تفكير بعض الخبراء منذ سنوات الألفين ..

تونس تعرف كيف تصنع النمو ولا أدل على ذلك من أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال نصف قرن بعد الاستقلال كان في حدود %5، نمو سمح لنا بتكوين طبقة وسطى مهمة وحقق نوعا من الازدهار ولكنه نمو غير متكافئ جعل جهات وفئات عديدة على هامشه ، نمو لم يتحول إلى ازدهار مشترك بل فاقم التفاوت الجهوي والاجتماعي وكثف الغضب في مناطق التخوم وانتهى إلى مسار ثوري ضخم انطلق من تونس التخوم ذات 17 ديسمبر 2010 إلى أن عم تونس المراكز ، وبتحالف تونس التخوم وتونس المراكز كان النجاح السياسي الأول للثورة التونسية ..
ولكن مع استعادة تونس المراكز / النخب المبادرة السياسية والفكرية عدنا نشتغل بنفس الآليات القديمة : البحث عن محركات النمو الكلاسيكية لتكون هي رافعة التنمية المتكافئة المنشودة .
ولم نتساءل بجدية ما الذي جعل من نموّنا السابق عائقا أمام تنمية متوازنة..

يخطئ من يعتقد أن دولة الاستقلال على امتداد نصف قرن لم تصنع أي شيء للمناطق الداخلية أو أنها تصرفت معها بمنطق استعماري جديد قوامه نهب التخوم لمصلحة المراكز .. فيكفي أن نعدد كم الإنفاق الاجتماعي في المناطق الداخلية من بناء المدارس والمستشفيات وكذلك في البنية التحتية وحتى في النسيج الاجتماعي ، وتبين كل الدراسات أن الاستثمار العمومي موزعا على كل فرد لم يشهد انخراما كبيرا بين الجهات الأقل حظا (خاصة الشمال الغربي والوسط الغربي ) والأكثر حظا ولاسيما تونس الكبرى إذ لم تتجاوز النسبة بين هذه وتلك الضعف على امتداد ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي .. كما شاهدنا العديد من التحفيزات الجبائية وغيرها للاستثمار في هذه المناطق..
إذن أين يكمن الإشكال ؟

في تونس ، كما في جلّ بلاد العالم ، تعرف المناطق الساحلية حركية اقتصادية أثرى وأكثر تنوعا .. ففي السواحل ، وخاصة إن كانت تضم مركز السيادة ، تتكثف الصناعات والحرف والتجارة مع الداخل والخارج وكذلك مراكز الحكم الأساسية وإداراتها وإنتاج العلم والمعرفة واهم المدارس التقليدية أو العصرية ..
وهذا التفاوت بين السواحل والدواخل يتفاقم من جيل إلى آخر بحكم التراكم في الإمكانيات المادية والبشرية والمهارات والمعارف ، فالتفاوت يتغذى من التفاوت وما كان فيه عرضيا أو حتى من قبل الصدفة يصبح بمفعول التراكم هيكليا ومهيكلا للحياة الاقتصادية والاجتماعية لبلد ما ..

ولقد مثل الاستقلال نقلة نوعية في النمو الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا وتحررت فيه إلى حدّ كبير طاقات الإنتاج والإبداع وراهنت الدولة على التعليم والصحة وتنويع هيكلة الاقتصاد بالاعتماد على بعض القاطرات الكبرى كالفسفاط والنفط والفولاذ والورق وكذلك السياحة والصناعات التحويلية ..
والنتيجة الحاصلة ورغم النوايا الطيبة للأجيال الأولى لدولة الاستقلال أن تسارعت حركة النمو في السواحل وتعززت وتدعمت ، ورغم حصول نمو أكيد في كل المناطق الداخلية إلا أن سرعة نمو السواحل بفعل التراكم وتركيز الأموال والكفاءات والمهارات كان أسرع بكثير من نمو الدواخل فتفاقمت الهوة وتعمقت ويكفي أن نراجع المخطط السادس للتنمية في سنة 1981 لنرى توصيفا دقيقا لهذا الاختلال ونقرأ بوضوح أن تفاقم اللامساواة خلق شعورا بالغبن وأن هذه الوضعية تهدد الوحدة القومية كما كان يقال آنذاك !
إذن نحن أمام توظيف قديم لظاهرة ضاربة في الزمن وتتفاقم من سنة إلى أخرى بحكم المحركات المتفاوتة جدّا للنمو بين السواحل والدواخل.

أين الخلل إذن في السياسات العمومية قبل الثورة وبعدها ؟

لنتصور مثلا أن سرعة نمو السواحل تقدر بـ%10 مقابل %5 لنمو الدواخل فلو أردنا نموا متكافئا لتوجب علينا أن نبقي على %10 في السواحل وحتى ان نحسن فيها وان ننتقل بسرعة في الدواخل من %5 إلى %15 فما فوق ، وهكذا يتقلص التفاوت سنة بعد أخرى بل ويتعاظم النمو الجملي للبلاد بحكم هذه الحركية الجديدة والاضافية للدواخل .
نعود للسؤال من جديد : كيف نسّرع بصفة كبيرة جدا من نسق نمو الدواخل ؟

الجواب بسيط الى ابعد الحدود .. ينبغي أن نضع محركات ضخمة للنمو والتفوق في الدواخل دراسيا وعلميا وثقافيا واقتصاديا .. وينبغي أيضا ان نعيد تشغيل المصعد الاجتماعي بأقصى قوة في الدواخل حتى يستعيد المجتمع حركته الطبيعية فلا يكون ابن الثري ثريا إلى الأبد..
لنفترض فقط على مستوى الخيال أن أهم كلية للطب في الجمهورية هي في إحدى الولايات الثلاث للوسط الغربي (القيروان وسيدي بوزيد والقصرين) مع ما يفترضه ذلك من مستشفيات جامعية ومن مخابر ومحيط حياة ملائم لاستقطاب مئات المدرسين وآلاف الطلبة المتميزين .. تصوروا كيف ستشتغل هذه الرافعة على كل هذه الجهة مدرسيا واقتصاديا

واجتماعيا تصوروا مثلا مدينة للصناعات الثقافية في ولايات الشمال الغربي مدينة فيها صناعة الكتاب او الموسيقى او السينما .. عشرات الآلاف من مواطن الشغل في مهن ذات قيمة مضافة عالية من دور نشر وترجمة ومطبعات ضخمة وتسويق ومعارض ومحاضرات ومطاعم ونزل الخ ..
لن نبدأ في تقليص الهوة ما لم نزرع في الدواخل محركات التميز القصوى بينما لو نواصل السياسات التي بدأناها منذ ستينات القرن الماضي أي محاولة تقليدية لتنمية المناطق الداخلية فلن نغير شيئا من المعادلة التنموية ولن نجعل من هذه المناطق جزرا لخلق التفوق في البداية ثم قاطرات للنمو في ما بعد .
مسالة ثانية على غاية من الأهمية وهي إعادة تشغيل المصعد الاجتماعي الذي تعطب منذ حوالي ربع قرن على الأقل ، وهذا لن يكون إلا بتغيير جذري للمعادلة المدرسية : التفوق والامتياز المدرسيان ممكنان لأكبر عدد ممكن من بناتنا وأبنائنا ، ولا تميز مدرسي دون إعادة الاعتبار للتساوي في الفرص أي أن توفر مدرسة ابتدائية في ريف الشمال الغربي

نفس فرص التفوق في مدرسة ابتدائية في الأحياء الفاخرة للعاصمة وهذا ليس من محض الخيال بل يمكن أن يكون نتيجة لسياسة عمومية تجعل من جودة تكوين المربين ديدنها وتوفر افضل اطار تربوي للمناطق الأقل حظا في البلاد..
إصلاح مدرسي يستكمل بسياسات نشيطة للتمييز الايجابي في التعليم العالي حتى نعمق فكرة أساسية وهي أن النجاح المدرسي قادر لوحده على توفير شروط النجاح المهني والاجتماعي..
وهنالك مصعد اجتماعي ثان تحدثنا عنه في مناسبات سابقة ويتمثل في ضرورة خلق جيل جديد من المستثمرات والمستثمرين في مناطق التخوم ..

لقد خلقت الدولة التونسية خلال السبعينات طبقة جديدة من أصحاب المؤسسات ينحدر جلهم من الإدارة التونسية او من موظفي القطاع المالي وقد كانت لهذا اثار ايجابية جمة على النسيج الاقتصادي فلم لا نفكر في سياسة عمومية نشيطة تدفع بالشباب الحامل لأفكار وطموحات إلى خلق مؤسسات هامة لا فقط صغيرة الحجم تسمح بخلق أثرياء جدد في مناطق التخوم تحت ذلك الشعار الكبير الذي كان وراء نهضة الصين والذي أطلقه دنغ تسياو بينغ في سنة 1992 «استثروا enrichissez-vous» فعلا يجب أن نقول لكل أصحاب الأفكار والعزائم بأن الثراء ليس حكرا على بعض العائلات والدوائر ، الثراء كتتويج لجهد واجتهاد ، متاح للجميع كذلك وبدعم نشيط من الدولة ..
عندما تتضافر كل هذه الآليات وتتناغم يصبح بإمكاننا تصور أن يسابق نسق نمو الدواخل السواحل ويتفوق عليه ، والقضية ليست فقط مبدئية أو اجتماعية أنها كذلك اقتصادية وعقلانية إذ بتكاثر جزر التفوق والإبداع والخلق يتسارع النمو وتتوازن التنمية ويعود الأمل الى الجميع في إمكان تحقيق الرفاه المشترك..
المؤسف فقط هو أننا لم نبدأ نفكر في الطرق العملية والجدية لخلق هذه التنمية الإدماجية المتوازنة ، ونحن نعلم جيدا أن التفكير الجماعي هو بداية الانجاز ..
ترى هل سيهتم بهذه المسألة المصيرية لمستقبل البلاد من يرومون الترشح لقيادتها سنة 2019 ؟

فسحة الأمل مازالت قائمة ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية