على هامش ماراطون مناقشة الميزانية: أي هامش تحرك للحكومات المتعاقبة ؟

يتواصل هذه الأيام بمجلس نواب الشعب ماراطون مناقشة ميزانية مختلف الوزارات ..


ماراطون يتكلم فيه النواب عن مشاغلهم وطنيا وجهويا ويجيب فيه كل وزير عن بعض أسئلتهم أو انتقاداتهم ثم يتم التصويت على ميزانية ما ويتم المرور إلى ما بعدها ..وفي كل ميزانية نفقات تصرف (والأجور من أهمها ) ثم نفقات تنمية وهي قليلة للغاية باستثناء ما يتوفر لبعض الوزارات كالتجهيز والإسكان والتهيئة الترابية بالأساس ..

والسؤال هنا هو ما هو هامش تحرك هذه الحكومة وسابقاتها ولاحقاتها أمام اكراهات التوازنات المالية العامة ؟

قد يبدو لنا انه بإمكان أية أغلبية فائزة في الانتخابات أن تغير رأسا على عقب ميزانية الدولة ، فهل هذا صحيح أم ينضاف إلى الأوهام الجميلة التي تعشش في مخيال جموع التونسيين شعبا ونخبا ؟
لنبدأ بإكراهات الميزانية عند كل حكومة في تونس وفي الخارج ..

تتشكل موارد الميزانية - في بلادنا وفي كل بلاد الدنيا كذلك – أساسا من الموارد الذاتية (الجبائية وغير الجبائية ) وتستكمل بالقروض الداخلية والخارجية، أما أبواب الإنفاق فهي مجملة في نفقات التصرف (وكتلة الأجور من أهمها) ونفقات التنمية ( الاستثمار العمومي في البنى التحتية ) والدعم (وهذه خاصية بعض الدول الفقيرة كحالنا ) ثم خدمة الدين أي ما تسدده سنويا الدولة من أصل الدين وفوائده ..

والميزانية هي التوازن المطلوب بين الموارد والنفقات والسؤال هو لو كانت لدينا اليوم أغلبية يسارية راديكالية أو ليبرالية «متوحشة» تقلص كثيرا من الدور الاجتماعي للدولة فهل ستكون هنالك فوارق هامة بين ميزانيتي هاتين الحكومتين الافتراضيتين ؟

لو أرادت هاتان الحكومتان الافتراضيتان الاستمرار في الحكم لمدة سنة على الأقل لكانت ميزانيتاهما متقاربتين إلى حدّ التماهي وذلك لسبب بسيط لأن هامش التحرك الفعلي في الميزانية قد لا يتجاوز %1 أو %2 على الأقصى والبقية كلها نفقات اضطرارية والتزامات محلية وخارجية لا تملك الدولة عدم الإيفاء بها ..
قد يقول بعضهم أن حكومة يسارية راديكالية قد تطلب تأجيل دفع الديون أو أن حكومة ليبرالية قد تقلص بقوة في النفقات الاجتماعية ولكن هاتان الحكومتان لن تصمدا كثيرا أمام الاكراهات الخارجية للأولى والاحتجاجات الاجتماعية للثانية ..

لا نريد من خلال هذا أن نقول انه لا حول ولا قوة للسياسي لتغيير الأوضاع .. لا وألف لا ولكن لابد أن نخرج من الوهم القاتل والقائل بان السياسي قادر على فعل كل شيء ..اقتصاد البلاد ومن ثمة ميزانيتها هي محصلة معقدة لكامل منظوماتها الإنتاجية وليست فقط نتيجة سياساتها العمومية ، وهذا «التواضع» ضروري لكل السياسيين حتى لا يعدوا الناس بجنة أرضية هم عاجزون – وإن صدقوا - على توفير شروطها الدنيا ..

ولكن لا وجود لقضاء لا يرد ولحتمية اقتصادية لا يمكن تطويرها وتحسينها بسياسات عمومية مناسبة ..

وكذلك لا وجود لسياسات عمومية جدية تتغير كل سنة او سنتين ولا معنى لها إن لم تعتمد على رؤية بعيدة المدى أي أننا لن ننجح في تغيير المعطيات وبصفة جيدة في تونس إن لم يكن لدينا تصور واضح لبلادنا على بعد 15 او 20 سنة على الاقل وان نضع مخططات ثلاثية او خماسية لتحقيق أهداف انتقالية.
ولهذا استنتاج أساسي وهو ضرورة القطع مع المرحلة الانتقالية بدءا من انتخابات 2019..أي أن نقطع مع اللاستقرار السياسي والتغيير السنوي للحكومات وان تكون الانتخابات فرصة اساسية لاختيار سياسات عمومية لا للتصويت على «الهوية» وعلى المشاريع الشخصية .

لابد ان نتحاور في هذه السنة الانتخابية حول تونس التي نريد بعد عشرين سنة وكيف نصل إلى بعضها بعد 5 سنوات... كيف ننعش اقتصادنا ومؤسستنا الاقتصادية ؟ ما هي الجباية العادلة والمحفزة للمبادرة وللنشاط الاقتصاديين ؟ كيف يكون نمونا إدماجيا لكل الفئات والجهات ؟ كيف نصلح منظومة التكوين وخاصة منظومتنا التربوية ؟ ما هي التضحيات التي سنطلبها من الجميع حتى نخرج من هذا التداين المشط ؟

تونس لن تتقدم في سنة أو سنتين وأوضاع مواطنيها لن تتغير بصفة واضحة على المدى القصير ولكن وضع البلاد على سكة العمل والنمو والنجاح مسالة ممكنة ولكنها تتطلب جهدا جماعيا وحلما مشتركا وثقة مجسرة بين الجميع ..
تونس لن تنجح بسياسات يسارية او ليبرالية ، بل بسياسات عقلانية تبلغ بالموجود مداه وتمهد للمستقبل عبر تكوين شروط التفوق المدرسي والإبداع والتجديد في كل ما ننتج وفي تصرف حكيم في إنفاقنا العمومي وفي عدم ارتهان الغد بسياسات آنية شعبوية أو قصيرة النظر..

في كلمة واحدة لن نتقدم ما لم نتعظ بداية من السنة القادمة من كل أخطاء ونواقص هذه السنوات الثماني .. والباقي كله تفاصيل..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499