الإضراب العام لقطاع الوظيفة العمومية: التفاوض بين التصعيد والتصادم

بدا الأمين العام للمركزية النقابية السيد نورالدّين الطبوبي حاسما في موقفه من الإضراب في

الوظيفة العمومية المقرر ليوم 22 نوفمبر الجاري وذلك في الكلمة الّتي ألقاها يوم أمس السبت 17 نوفمبر في التجمع العمالي ببطحاء محمّد علي بالعاصمة .

وراء لهجة الحزم بخصوص الاضراب العام المتصل بطلب الزيادة في الأجور المتوقّفة على بعض التفاصيل ، يختفي تراكم استياء الاتحاد العام التونسي للشغل من شؤون عامّة اخرى متصّلة بمواقف و تصرفات حكومة الشاهد ، الّتي عبر الاتحاد في أكثر من مناسبة ، عن عدم رضاه عليها.

إن التفاوض في الزيادة في الأجور يبقى قائما إلى آخر لحظة و تبقى امكانية إيجاد حل واردة باعتبار أن الحكومة لا ترفض الزيادة من حيث المبدأ و إنّما يتمحور الخلاف على كيفية تطبيق هذه الزيادة . و كما تمّ التوصل إلى إبرام اتفاق بخصوص القطاعين الخاص والعام ، فإنه لا يستبعدُ حلحلة الأمر و التوصل إلى إتفاق يُنهي الإشكال القائم .
و لكن ما يثير المخاوف هو عدم الاستقرار الاجتماعي الّذي اصبح دائرا على مختلف أيام السنة إلى درجة أنه لا يكاد يمر شهر دون أن تبرز مشكلة في هذا القطاع أو ذاك ، بحيث أصبح الرأي العام في متابعة لا تهدأ و لا تتوقف، لمفاوضات وأخذ و رد في خلافات متصّلة بالمطلبية و بتردي المقدرة الشرائية .

إن عدم الإستقرار هذا و ما ينشأ عنه من توتر اجتماعي ، لم يعد ناجما عن تداعيات المطلبية ، بل أصبحت تجلياته تظهر بوضوح في ردود الفعل من السياسة المنتهجة في الحكومة و في تقييم أدائها و محاسبتها على نتائج سياستها ، لتجاوز الصعوبات الّتي يعيشها الإقتصاد التونسي .

فموقف المركزية النقابية من التحوير الوزاري الأخير و عدم تقبّلها لعدم التشاور معها ، و قول الطبوبي في تجمع أمس أنه توجد «غرفة سوداء أخرى» تدير مستقبل الشعب، و حديثه عن اقتسام الكعكة و عن خلفيات تغيير القانون الانتخابي «بالتوافق» لاقصاء الأصوات الحرّة ،و غيرها من المواقف الّتي تصدر عن أعضاء من المكتب التنفيذي، كلّها تعبيرات رافضة للتمشي السياسي الّذي تنتهجه الحكومة .

فالقول بأنه توجد غرفة سوداء أخرى ، هو تسليم بوجود غرفة سوداء سابقة و هي الّتي كانت محور الندوتين الصحفيتين لهيأة الدّفاع في قضيتي الإغتيالين السياسيين للمناضلين بلعيد والبراهمي ،و الّتي تتواصل تداعياتها إعلاميا ، ويُنتظر أن تكون لها تداعيات قضائية وسياسية ، إذا تواصل مسارها في النهج الطبيعي و الصحيح.

كما أن موقف المركزية النقابية تميّز بعدم تقبّل تغيير القانون الانتخابي في اتجاه ادراج عتبــــة 5 % للحصول على مقاعد في الانتخابات التشريعية ،و اعتبرت تقييمات الحكومة لنتائج سياستها ،بأنها «نجاحات وهمية بأرقام مغلوطة». وتضاف لهذه المواقف مواقف سابقة متّصلة بالتفويت في المؤسسات العمومية و في إصلاح الصناديق الاجتماعية و غيرها من المواقف الّتي تؤكّد على التباين بين المركزية النقابية و حكومة الشاهد الّتي كانت ضمن المطالبين برحيلها .

لا تخفى على حكومة الشاهد هذه المواقف، ولا تخفى أيضا ، رغبة أعضاء منها ، في تحجيم دور المركزية النقابية ، الّتي يريدون أن يحصروها في مهام في المطلبية الضيّقة ،و الّذي يريدونه، دفاعا مجرّدا من السياسة، و ما في ذلك من تغييب للدور الوطني الّذي ما فتئ الاتحاد العام التونسي للشغل يلعبه في الذود عن الوطن، و عن مصالح أوسع الفئات الشعبية ، و تجاهلا لوزن المنظمة الشغيلة ،ممّا جعل الطبوبي يؤكّد على أن «القوة الضاربة الوحيدة هي القوة الاجتماعية».

هذا التأكيد تكرر في كل المناسبات الّتي اشتدت فيها لهجة التصعيد عند تعطل المفاوضات الاجتماعية ، أو إحتدام الخلافات . ولعلّ ارتفاع وتيرة الخلافات و التباين في المواقف السياسية بخصوص مواضيع عديدة ، دفع إلى التفكير لدى بعض الأوساط النقابية، في تشكّل يصطفّ النقابيون وراءه ، يعبّر عن مواقفهم السياسية أو يتبناها ، كي يكونوا أكثر فعالية في الخارطة السياسية ،و هذا الرأي شبيه بالتمشي الّذي بموجبه تمّ تأسيس حزب عمّالي. و لكن لم تنجح التجربة لأسباب يضيق المجال للخوض فيها .

لقد تعوّد المواطنون على إحتدام لهجة الحوار و التفاوض بين الإتحاد و الحكومة و أحيانا مع أحد أعضائها ،و لكن يقع تغليب «صوت العقل» كما يقال ، و تهدأ الاجواء المشحونة ، في انتظار غيرها .

هذه العادة السيّئة تدفع إلى التساؤل ، عن أسباب تكّرر «أزمات التفاوض»و إبقاء الحبل على الغارب في إدارة الأزمات ، رغم أن تونس نالت جائزة نوبل للحوار الّذي اضطلع به «الرباعي الراعي للحوار» والّذي كان الاتحاد العام التونسي للشغل من رواده .

إن التشاور والحوار حول أمهات المشاكل التي تعرقل مسيرة الدولة و النظر في الحلول الكفيلة بتجاوز كل الإشكاليات المطروحة ، ليست مسائل ظرفية ، و لا تترك للمجهول دون حساب ، بل يجب أن تكون من ثوابت الديمقراطية البناءة ،و لا بد من الرجوع إلى وضع الخطط الاستراتيجية الخماسية والعشرية ،بمشاركة كل الأطراف الفاعلة ، لكي لا تبقى البلاد رهن الهزات و المخاوف المتواصلة ، تُسيّر دون سياسات واضحة و برامج مستقبلية مسطّرة مستقبلا وذلك كي نكون إزاء «حوادث طارئة عابرة» تحتاج إلى إدخال تعديلات لتجاوزها ،و ليس إزاء مصادمات دائمة و مشّلة ومحبطة ، تتطلب استنزاف المجهود و تعثّر المسار دون أي مردود...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499