الجدل حول تنقيح القانون الانتخابي: في العتبة واستحقاق التمثيل الشعبي

الجدل قائم من جديد في تونس حول التنقيح المقترح للقانون الانتخابي وإدخال عتبة %5 في

الانتخابات التشريعية بين من يرى فيه بلسم كل جراحنا ومشاكلنا ومن يتصدى له باعتباره يستهدف التعددية في البلاد ويرسى بصفة مخاتلة استبداد الأغلبية ..

لاشك أن لكل فريق حججا ذات وجاهة إذ المطلوب من كل نظام اقتراع أن يحقق أمرين في نفس الوقت : تمثيلية معقولة لأهم التيارات السياسية وتمكين الأغلبية الفائزة من القدرة على الحكم ولذا كان أفضل نظام بإطلاق للتعددية (نظام النسبية على المستوى الوطني كما كان الحال في ايطاليا مثلا) هو أسوأ نظام للاستقرار السياسي لأنه لا يشجع البتة على التجميع والتحالف ما دام حزب يحصل على %0.4 على المستوى الوطني في المثال التونسي يمكنه أن يتحصل على مقعد بمجلس نواب الشعب ..

نظام النسبية على مستوى 33 دائرة انتخابية يحد كثيرا من غلو قاعدة النسبية المطلقة ولكننا أردفناه بمفهوم اكبر البقايا وهو وإن مكن القائمات الحزبية والمستقلة من التواجد بكثرة إلا أننا لا يمكن أن نقول بأنه من العدل أن يمنح مقعد واحد بـ%15 أو بـ%3 كما هو الحال في دوائر انتخابية عديدة في 2011 و2014..
لا وجود لنظام اقتراع مثالي وكل هذه النظم تتراوح بين التركيز على التمثيلية (كالنسبة المطلقة دون عتبة ) وبين تفضيل الاستقرار (كل النظم المعتمدة على الأغلبية في دورة أو دورتين ) وكثيرة هي الدول التي عدلت في نظمها الانتخابية سعيا إلى تحقيق هذه المعادلة المنشودة بين التمثيلية والنجاعة ..

في تونس اخترنا منذ سنة 2011 نظاما يمنع من استحواذ الحزب الأول على أغلبية المقاعد إلا في حالة حصوله على نصف أصوات الناخبين ،وكان لهذا النظام مزايا خلال هذه الفترة الانتقالية في التأسيسي وفي مجلس نواب الشعب إذ سمح لجل أحزاب المعارضة بالتمثيل النيابي وباكتساب خبرة ضرورية ولكن صاحب هذا غياب أغلبية برلمانية واضحة قادرة على الحكم ..

والسؤال اليوم هل ينبغي أن نواصل على نفس النهج وأن نعطي الأولوية للفسيفساء السياسية أم نعمل بدءا من سنة 2019 على حد أدنى من الاستقرار السياسي دون أن نقتل التعددية الضرورية لبلادنا ..بداية لابد أن نؤكد على مبدإ أساسي في الديمقراطية وهو استحقاق التمثيل النيابي ، فلتمثيل الشعب شرط أساسي وهو أن يعبر النائب عن حد أدنى من الناخبين وإلا كان التمثيل عبثا ..

عندما نعلم أن عدد المقاعد بالدوائر الانتخابية يتراوح ما بين 4 (توزر وتطاوين) و10( بن عروس وسوسة ) أي أن الحاصل الانتخابي وهو قيمة المقعد الواحد ، يتراوح ما بين %10 و%25 من الأصوات المصرح بها فهل من المعقول في هذه الوضعية بأن يتحصل بعضهم على مقاعد نيابية وهم لم يتجاوزوا %3 من نسبة الأصوات ؟ وللعلم فعدد هؤلاء في مجلس نواب الشعب هو ثمانية نواب !!

لا يمكن تغيير النظام الانتخابي رأسا على عقب ونحن لا يفصلنا عن الموعد الانتخابي سوى سنة واحدة .. فالتغيير الجذري للنظام الانتخابي إن كان ضروريا ، فلن يحصل إلا في منتصف العهدة الانتخابية القادمة. ولكن التعديل وارد جدا قصد مزيد إحكام معادلة التمثيلية والفاعلية وهذا لن يتأتى إلا بترك نفس القاعدة مع إدخال جرعة بسيطة تتمثل في العتبة والسؤال هنا ما هي العتبة المناسبة للمرحلة القادمة ؟ %1 أو %3 أو %5 أو أكثر من ذلك ؟

لن نتمكن من التكهن بالعتبة الملائمة لأننا لا نعلم كيف ستكون التوازنات السياسية التي ستفرزها انتخابات 2019 فكل ما نعلمه هو نتائج 2014 والتي تميزت بتقدم كبير لحزبي النداء (%38) والنهضة (%27) في حين لم يتمكن الحزب الثالث (الاتحاد الوطني الحر) من الاقتراب من عتبة %5 (%4.2 فقط ) وفي هذه الحالة لو طبقنا عتبة %5 فالنداء سينتقل من 86 نائبا إلى 107 نواب والنهضة ستربح بدورها 19 نائبا (من 69 إلى 88) أي أن هذين الحزبين سيربحان معا 40 نائبا ولن يبقى لبقية الأحزاب سوى 22 نائبا ولن يتمكن اي منهم من تكوين كتلة برلمانية

لاشك أن تغييرات كبيرة حصلت على مستوى الخارطة السياسية وكل المؤشرات تفيد بأن 2019 لن تكون نسخة مكررة لـ2014 ولكن التكهن بالنتائج هو سابق لأوانه ولا أحد يعلم من سيكون المستفيد من العتبة ومن سيتضرر منها ولكن يمكن ان يحصل توافق واسع حول عتبة بـ%3 فالانتقال سيكون سلسا وعتبة كهذه ستكون محفزة لكل الأحزاب والقائمات وستدفع ولاشك إلى البحث عن تحالفات وعن تجنب الترشحات الفلكلورية..

المهم في مثل هذه القضايا ان نتقدم سويا ولو بحلول منقوصة أفضل من المرور بقوة وافتعال أزمات إضافية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499