هل دخلت منى «الانتحارية» التاريخ؟

ما الذي يمنع امرأة في عقدها الثلاثين وحاملة لإجازة وعاطلة عن العمل ومن بيئة ريفية

من أن تُستقطب؟ حتما هو امتلاكها لجهاز مناعة قويّ متكوّن من الوعي الذاتي، والقدرة على التحليل والفهم والتنسيب، فضلا عن حبّ الحياة، واكتساب التجربة والرغبة في الكدّ من أجل تغيير الواقع والثقافة المتنوعة... تلك هي أدوات المقاومة ...بهذا المعنى يغدو اعتبار التهميش و«الحقرة» والتفاوت الجهوي والاقتصادي مثلما ورد في خطاب عدد من «المحللين»، مدخلا محدودا جدّا لفهم ما حدث في شارع الحبيب بورقيبة منذ أيّام .وإن كنّا نتفهّم هذه التبريرات التي يريد أصحابها عدم تحميل الفاعلة مسؤولية أفعالها وفي المقابل إدانة سياسات الدولة إلا أنّنا نرى أنّ الفقر والغبن والإحساس بالدونية وغيرها من العوامل لا يمكن أن تحوّل «المنسيين والمهمشّين» إلى قتلة منتقمين من أنظمة لا عادلة .

أمّا المدخل الثاني لقراءة الحدث فنستند فيه إلى أدوات الفهم التي وفّرناها في دراستنا الجندرية لظاهرة الإرهاب. فقد بينّا سابقا أنّ «القاعدة» و«بوكو حرام» و«طالبان» و«داعش الإرهابي» في بداية تمركزها في العراق تعاملت مع النساء باعتبارهن أدوات لتنفيذ مخططات الرجال مثلهنّ في ذلك مثل الكلايشنكوف أو السكين أو الخنجر...ولكن مع عولمة الجهاد وتشكّل «داعش الارهابي» سننتقل إلى طور جديد صار يُعهد فيه إلى فئة من النساء والقيام بأدوار مختلفة تتفاوت في أهميتها وفق مهارات النساء وطبقاتهن وعرقهن....فيعضدن بذلك المشرفين على إقامة دولة الخلافة.

بيد أنّ ما حدث في بلادنا لا نراه متماهيا مع الطور الثاني بل هو موصول إلى الطور الأوّل، أي استغلال النساء صاحبات الهشاشة النفسية والاجتماعية والاقتصادية لتمرير رسائل مختلفة لعلّ أهمّها توجيه تحذير إلى المؤسسة الأمنية التي تتباهى بإنجازاتها، ومغازلة الإعلام إذ صار هو الذي يلهث وراء الحدث، ثمّ التموقع في المركز من جديد بعد أن ظنّ القوم أنّ «الخلايا» هي في الهامش، وتغطّ في سبات عميق. والواقع أنّ إرسال امرأة ينظر إليها وفق نظام التمثلات التقليدية على أنّها ضعيفة، يندرج في إطار علاقات الرجال «الجهاديين البواسل»، بـ«الطواغيت»، وهذا الحوار يمرّ عبر جسد أنثويّ اريد له أن يكون مجرّد أداة حاملة لرسائل يفكّك شفراتها الرجال. وقد عكس الإعلام هذا التمثّل عندما تعامل معها على أساس أنّها ‘امرأة أو امرأة انتحارية... فغاب الإسم وظهر الجندر، وغاب الفعل وبرز جسد مشوّه وظهرت الأشياء: نظارة شمسية، وحجاب وحقيبة يد وملابس، غُيّب الإسم والهوية وبرزت قطعة من الملابس الداخليّة حرّكت الأقلام فكانت السخرية سيّدة الميدان في تعامل الفايسبوكيين مع الحدث.

تُختزل «منى قبلة» في نعوت: انتحارية العاصمة، الانتحارية، الإرهابية... وترسم صورتها في الصحافة التونسية بالتجاور مع صور شخصيات سياسية تتصارع من أجل السلطة فيتأطر التعاطي الإعلامي للإرهاب ضمن هذا الأفق ونتناسى أنّ «منى» المنعزلة عن المجتمع «الجاهلي» قد استعاضت عن الواقع المعقّد بواقع افتراضي وبأمّة افتراضية، فاستقطبت وبدل إعداد «دكتورا» تبنّت مشروعا دمويّا شعاره «عليّ وعلى أعدائي» فكانت ألعوبة في يد اللاهثين حول السلطة...

نتناسى تحرّكات «منى الراعية» فهي تنتقل بين مكان وآخر مُتوارية عن الأعين لتتأمّل في قرارها أو علّها تلتقي بأحدهم وهكذا تتحوّل من الافتراضي إلى الواقعي ومن الطبيعة إلى التكنولوجيا مجسّدة الهجانة، ومعبّرة عن مسار مأزوم لفتاة تبحث عن مشروع يضفي معنى على حياتها.

علامات ومؤشرات كثيرة كان بإمكان الأسرة الانتباه إليها وتدارك الأمر قبل فوات الأوان ولكن في البيئة المحافظة تعدّ عزلة الفتاة وبيتوتتها حجّتين على الصلاح والعفّة فمعاشرة «الـpc» أفضل من معاشرة الرجال والنساء... وهكذا ترتمي «منى» في أحضان عالم الاستقطاب فيلوح المتخيل الحربي، والمتخيّل الفردوسي، ... وتبدو لها الآخرة أفضل من الدنيا وترى أنّ الاستشهاد وسيلتها إلى ترك أثر في العالم مادامت لم تحقّق أمرا في حياتها.

ليس الفعل الانتحاري إلا طقس عبور من عالم إلى آخر ف «منى» تموت لتولد في عالم اختارت أن تنتقل إليه إذ صوّر لها القياديون أن لا خيار إلاّ الشهادة ... مغمورة كانت وها أنّها صارت في قلب الحدث وغدا ستذكرها الدراسات والبحوث على أنّها أول امرأة انتحارية تونسية ...
ولكن تاريخ تونس تكتبه المنتصرات فيخلدن المكاسب والتجارب والنضال. أمّا المنهزمات ، والمستسلمات لمن يخطّ لهنّ قدرهن بالنيابة عنهنّ فإنّ الذاكرة سرعان ما ستجعلهنّ طيّ النسيان.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499