في خفايا جلسة مناقشة «مشروع القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري»

ما اللافت للانتباه في جلسة مناقشة قانون القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري؟

بالطبع غياب أغلب النواب عن حضور هذه الجلسة، وهو أمر مخبر عن موقع هذا الموضوع في جدول اهتمامات ممثّلي الشعب الذين من المفروض أن يلتزموا بمواكبة كلّ الأشغال لأنهم في خدمة الشعب بجميع شرائحه. ولكن يبدو أنّ النقاش حول «الأقليات» الإثنية أو الدينية وغيرها ليس حريّا بأن يكون موضوعا لتبادل وجهات النظر والتفاوض ومن ثمّة فإنّ قضايا الميز العنصري تحتل الهامش لا المركز. ثمّ إنّ لتغيّب أغلب النواب دلالة أخرى لا تخفى على التونسيين إذ تخضع النقاشات لسلّم تراتبيّ هرميّ فكلّما تعلّق الأمر بمناقشة قوانين تخصّ حماية مصالح النواب أو الأحزاب هبّ القوم زرافات ووحدانا وكلّما جدّت أحداث مثيرة للجدل حصلت التعبئة وزحف النواب من كلّ صوب ليعرضوا مهارتهم في الأداء الركحي. وعلى هذا الأساس كان أسلوب العمل داخل المجلس قائما على التمييز بين المهم والأهمّ، الجديّ والتافه... وقضايا العنصرية لا ارتباط لها بالوجود الإنساني أي الأهمّ....

ويتجلّى أثر هذه البنية الذهنيّة في اعتبار أحد النواب الحاضرين أنّ القطيعة حادثة بين أعمال المجلس والواقع.فالقوم يناقشون قانونا لا يشكّل أهميّة لدى التونسيين الذين ينشغلون بالحليب والتعليم والصراع السياسي.. ومعنى هذا أنّ حماية من انتهكت أجسادهم وكرامتهم وانكسرت ذواتهم ليست مهمّة ذلك أنّ الأولوية للغذاء والصحة والتعليم والتوازنات السياسية ولكلّ ما يمثّل اهتماما جديّا لدى التونسيين وهنا يتكرّس مبدأ إرساء الحدود بين'الأغلبية' والأقلية التي عليها أن تنتظر المجلس حتى يحسم أمره في ضمان مصالح البيض على حساب السود وغيرهم.

وليس غريبا عن هذا المنطق من التفكير ما أبداه نائب آخر حين برّر رفضه لقانون مكافحة التمييز بأنّه قانون ناقص لم يضمن حقوق أبناء الجهات المهمشة، وهو إذ يقدّم هذه الحجّة يكشف عن تصوّر تمييزي تفاضلي بين المنتمين إلى الفئات الهشّة. فالمهمّ، في نظره، أن نراعي حقوق التوازنات بين الجهات ثمّ نلتفت بعد ذلك لقضايا العنصرية.

وما يسترعي الانتباه في خطاب من أبدى احتجاجه على مناقشة هذا القانون هيمنة فكرة المؤامرة والتدخل الأجنبي من أجل تأليب الأقليات على الأغلبية ودفع السود إلى الاحتجاج. وإن كنّا لا ننفي وجود هذه الضغوط إلاّ أنّ تعمّد النائب ربط المطالبة بالقانون بالخارج يثبت مدى إيمانه بأنّ 'التابع' لا يمكن أن يفكّر في شؤونه وليس من حقّه أن يمتلك الصوت. فالآخر المركزي هو الذي يفكّر نيابة عنه ويخطّط وما التونسي الأسود إلاّ آلة. وقد فات النائب أنّ مناهضة العنصرية هي آلية من آليات المقاومة التي يجب أن توظفها الشعوب التي استبيحت. ونذهب إلى أنّ الاستمرار في إنكار الممارسات التي تعتمد العنف وسيلة للتعامل مع السود في الواقع المعيش هو دليل على عمى إداركي وانفصال عن التجارب الحياتية المريرة التي نعاينها يوميا إن كان على مستوى تعامل التونسيين في ما بينهم أو تعاملهم مع الذين يفدون إلى بلادنا من أصحاب البشرة السوداء.

ليست العنصرية متأصلة في الثقافة العربية ونحن براء منها مثلما يزعم بعضهم يكفي أن نعود إلى نصوص من تراثنا (المسعودي، القزويني، ابن بطوطة، الجاحظ...) لنكتشف التمثلات التي نشأت عليها الأجيال ولاتزال. فصورة الأسود في المتخيّل الجمعيّ تشكّلت على أساس التنميط: فهو كريه الرائحة، كسول، ومنحرف، وشهوانيّ وانفعالي وسخيف ومن الأمثال العربية إنّ «الأسود إذا جاع سرق وإذا شبع زنا». والأسود والزنجي في المنام حسب كتب التفسير، علامة على الحزن والهمّ والمصائب، ولم تستطع الخطابات المناهضة لهذه الطريقة في التمثيل أن تصمد أمام نزعات الاستعلاء والتمركز على الذات.
نعم كسبت تونس قانونا جديدا في مسار التحوّل الديمقراطي ولكن أمامنا عمل دؤوب حتى نغيّر العقليات ونفضح الممارسات المتأصلة ونحاسب حاملي الثقافة العنصرية حتى وإن ادّعوا العكس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499