في التنمية الجهوية : أفكار للنقاش

من المسلمات في تونس، قبل الثورة وبعدها، أن نقطة الضعف الأساسية في نموذجنا التنموي هي اللاتوازن الجهوي المتفاقم ممّا دفع كل القوى السياسية والاجتماعية في البلاد إلى وضع مبدإ دستوري عام في الفصل 12 « التمييز الايجابي» ولكن إلى اليوم لم نعط مضمونا

عمليا لهذا التمييز الايجابي باستثناء ضخ ما أمكن من استثمارات عمومية في البنية التحتية وفي البرامج الاجتماعية ..

لعلّ ما عسّر مقاربة عملية ايجابية للتمييز الايجابي هو الكمّ الهائل من المغالطات التي تقال يوميا هذا الموضوع دون قدرة على وضع الأمور في نصابها وتمييز الغث من السمين في كل ما يقال ..
أهم هذه الأخطاء الشائعة وأخطرها هو أن دولة المركز قد عمدت إلى «نهب» الجهات الداخلية على امتداد العقود الماضية وذلك لفائدة «الولايات الساحلية» وبين «الولايات الساحلية» وولايات الساحل ، أي سوسة والمنستير والمهدية. خطوة يتجاوزها كثيرون دون ترو..

الأرقام تفيد أن معدل الاستثمارات العمومية بالنسبة للفرد الواحد لم تكن أهم في الولايات الساحلية منها في الولايات الداخلية وذلك على الأقل، على امتداد العقدين الأخيرين ..
ولو دققنا النظر أيضا لوجدنا أن عدّة ولايات داخلية قد حصلت من الثروة الوطنية أكثر من إسهامها الخاص فيها ..ولكن كل هذا لم يمنع تفاقم التفاوت الجهوي لأن آلياته لا تقف فقط على الاستثمار العمومي بل تعتمد أيضا على نشاط الخواص في هذه المناطق وتشبيكها الأكبر وديناميكية تطورها الذاتي كذلك..

قلنا بأن هذا الخطأ الشائع خطير لأنه يوهم مواطنينا في المناطق الداخلية بأنه يكفي بأن يحصلوا على الجزء الأهم من الاستثمار العمومي حتى نبدأ في تقليص جدي من التفاوت الجهوي ..
مسألة وحيدة بإمكانها تقليص التفاوت الجهوي بين ولايتي القيروان ونابل على سبيل الذكر هو أن تتجاوز نسبة نموّ الناتج المحلي بالقيروان نسبته بنابل ..

أي بعبارة أسهل أن تفوق سرعة التطور في ولاية داخلية سرعة ولاية ساحلية ..
والإشكال هو أنّنا لا نعرف كيف نقيس الناتج المحلي الإجمالي لكل ولاية على حدة ممّا يمنعنا من أداة إحصائية أساسية لمعرفة هل نحن في الاتجاه الصحيح أم لا ..
منذ بداية ثمانينات القرن الماضي كنّا نعلم بأنه سيأتي يوم يتجاوز فيه الاقتصاد الصيني كل بلدان العالم التي كانت تتقدمه آنذاك لأن نسبة نمو الصين ارفع من كل الدول التي كانت متفوقة عليها في النمو ..

فالمهم ليس هو الوضع الحالي للكاف أو القصرين أو لسليانة المهم هو مدى نسق نمو كل هذه الولايات الداخلية وما هي محركات النمو الأساسية في كل واحدة منها..
والنمو ينتج عن الاستثمار ما في ذلك من شك ولكن للنمو روافع أخرى لا تقل أهمية عن الاستثمار وهي إنتاجية العمل وإنتاجية رأس المال.. أي في الأخير العمل المتقن والقدرة على الاستغلال الأنجع للتجهيزات المادية وللذكاء البشري ..
والاستثمار يبحث دوما عن المردودية ، حتى عندما تكون على المديين المتوسط والبعيد ، والسؤال هو كيف نجذب الاستثمار للمناطق الداخلية؟
السؤال الكلاسيكي في تونس منذ أكثر من ثلاثة عقود هو تحفيز هذا الاستثمار ماليا وجبائيا..

ولكن فضّل الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي ، في الأغلب الأعم ، المناطق الساحلية رغم هذا التحفيز لأنها تتوفر على التجهيزات الأفضل وعلى اليد العاملة المتكونة وعلى التشبيك الاقتصادي الأوسع..
يعني أننا فشلنا إلى حد الآن في خلق جاذبية قوية للاستثمار في هذه المناطق الداخلية ..ولاشك أن تكاثر الاحتجاجات الاجتماعية بعد الثورة ساهم في إفقاد هذه المناطق كل بريق وجاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي ..
لغة الصراحة تقتضي أن نقول لكل مواطنينا بان الاحتجاج ، على شرعيته، لا يوفر البيئة الملائمة للاستثمار ولا يسهم في خلق شروط الجاذبية الضرورية..
هذا هو السؤال الذي لم نبدأ بعد في طرحه : كيف نجعل للقيروان ولسيدي بوزيد وتطاوين وقبلي والقصرين وسليانة وجندوبة والكاف والمهدية وقابس ومدنين وتوزر وقفصة وباجة وزغوان جاذبية خاصة للاستثمار وللإبداع ولخلق الثروة تجعلها كلّها قاطرات لتنمية تونس

فالعدل هو أن نتقاسم الرخاء لا الفقر ..

كيف ننجح في « نزوح» عكسي تنتقل بموجبه الكفاءات والأموال والخبرات من المناطق الساحلية المحظوظة نسبيا إلى المناطق الداخلية فيستفيد الاثنان معا ومن ورائهما تونس قاطبة ؟
ينبغي أن نخلق قطبا متميّزا في كل ولاية في الصناعات أو الخدمات أو الفلاحة أو الصحة أو التعليم أو البحث العلمي ..

هذا هو دور الدولة اليوم .. وهذا الدور لم تضطلع به بعد الدولة في تونس بل اكتفت بمهامها التقليدية في الاستثمار في البنى التحتية- مع التعثرات التي نعرفها – وفي المرافق العمومية على علاّتها ..
لو نتصور عقد تميّز يربط كل ولاية مع السلطة المركزية في نظرة شاملة لما تحتاجه تونس في العقود القادمة ..

قطب سياحي متكامل في جندوبة يجمع بين محطات التزحلق على الثلج والصيد ومسلك للمعالم الأثرية والسياحة الغابية مع مدارس للتكوين في مختلف هذه الأصناف من السياحة..
مدينة جامعية في سليانة تجمع حوالي 40.000 طالب و5.000 إطار تربوي وإداري تشع على الشمال الغربي والوسط الغربي وتستقطب الآلاف من الطلبة الأجانب وتكون متميزة في عدة اختصاصات علمية وإنسانية تجلب لها خيرة الأساتذة والمؤطرين والمحاضرين الأجانب ..

قطب في الصناعات الغذائية في الكاف وقطب استشفائي في باجة ومدينة للصناعات الثقافية في القيروان...

ليس المهم في هذه الأمثلة بالذات المهمّ هو أن تكون لكل ولاية جاذبية اقتصادية خاصة تضع الدولة مع أهالي الجهة تصورها الأساسي وتعد لها البنية التحتية الملائمة وتشجع أبناء الجهة على الاستثمار في إطار شراكة مع القطاع العام ثم تتولى الجاذبية الناتجة عن ذلك البقية بجلب الاستثمار لديمومة النمو والتطور ..

لاشك أن هذا يتطلب على الأقل عقدا من الزمن لكي تتغيّر المعطيات التنموية في كل جهة .. ولكن ما نحتاجه بالأساس هو أفكار وطموح وحلم وتصميم على الانجاز وتعاون بين الجهات والمركز وتعاون بين الجهات مع بعضها البعض ..
لا نريد أن ندعو شبابنا إلى مزيد من الصبر بل نريد لهم أن ينخرطوا في حلم لا يغير حياتهم فقط بل جهتهم بأسرها ..حلم يصنعونه بأياديهم وبجهدهم وبعملهم.. أما الاحتجاج الدائم ، حتى وان كان مشروعا ، فهو لا يبني ولا يهيئ للمستقبل ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا