البارد/الحار ... الوجه والقفا ...

«موجة البرد» التي تجتاح بلادنا هذه الأيام لها مزايا كثيرة، وإن كثر تبرّم التونسيين وتأففهم من هذا الوضع واتخاذه مطية للتهرب من أعباء العمل وأداء الواجب. فعن طريقها اكتشفنا أشياء وأعدنا التدبر في أنماط السلوك والتصورات والتمثلات القديمة والوافدة وبواسطتها أمكننا رؤية

ما لا يمكن تبيّنه أو معاينته في العادي من الأيام. فالبعض يرى في قسوة الطبيعة فرصة للتفكير في الآخرين: المنسيين والمهمشين والمعوزين والمقارنة بين الدفء الذي ينعم به الواحد والإمكانيات التي تتوفر له و«المعيشة الضنكة» التي يتحملها الآخرون ، ومن ثمة آمن عدد من التونسيين بضرورة المساهمة في المبادرات التي تهدف إلى مساعدة المعوزين أو إغاثة المنكوبين من موقع الحس المواطني. أمّا البعض الآخر فإنّه رأى في «تساقط الثلوج» فرصة للتعبير عن حسه الفني وبحثه عن مواطن الجمال في ربوع تونس الحبيبة فهي لا تقل جمالا عن سويسرا وغيرها من البلدان الأوروبية. فلا عجب أن تنتشر صور المناظر الطبيعية في عين دراهم والكاف والقصرين وغيرها على مواقع التواصل الاجتماعي وأن تكثر «اللايكات Like». ولئن اكتفى من تمثّلوا المناطق الشمالية على أساس أنّها موطن الجمال الخلاب برصد الصور «الرائعة» و«موش normal» وإعادة نشرها فإنّ فئة أخرى من التونسيين شدت الرحال إلى عين دراهم وغار دماء وطبرقة والكاف ودقة وغيرها من المناطق. وليست الغاية من وراء هذا السفر «الشاق» شدّ أزر المكدودين ماديا ومعنويا بل التقاط صور الأشجار التي تكسوها الثلوج وصور «المساكين» والصغيرات اللواتي يبتسمن في «عزّ البرد». والصبيان والشيوخ الذين يرتدون «القشابية»...

تونس الجميلة ليست ثلوجا تغطي الجبال والأشجار نستغلها لعرض الذات وتقديمها للآخر في إطار استفزازه أو اثارته «أنا هنا وأنت ثابت في مكانك» وفق ما أفرزته ثقافة ‘السلفي’ المتسربة إلينا بوسائل تكنولوجيا «قصّرت» المسافات بين الناس وجمّعت الأحباب ولكنّها في المقابل، خلقت الحواجز وأقامت الجدران العازلة بين الناس وفرضت العزلة على الآلاف...

تونس الجميلة هي علاقات مباشرة مع الناس وهي تضامن اجتماعي ومحبة واستضافة للآخر... تونس الجميلة «بناسها» الذين يقدرون جلَد المعذبين في الأرض وينظرون إليهم نظرة الاحترام والانبهار...تونس الجميلة تطلب من أبنائها وبناتها أن يقفوا وقفة تأمل في نظام من المتناقضات والمفارقات، وأن يعيدوا النظر في طرق بناء المسافات والحدود والجدران العازلة وفي خطاب تمثّل الآخر... قديما كان يطلق على هؤلاء المنسيين «جيوب الفقر»، واليوم أضحوا سكان المناطق المهمشة، ومع موجة البرد ها أنّهم يتحولون إلى «مساكين» يستحقون الشفقة أو ديكورا يؤثث صور المغامرين الباحثين عن التقاط الصور الرائعة.

ولكنّ موجة البرد لا يمكن أن تحجب عنا حرارة المشهد الاجتماعي فبين البارد والحار صلة وصل، وما يجري في المكناسي وغيرها من الجهات التي تهيمن عليها موجة الحرارة الاجتماعية غير معزول عن نظرة عدد من التونسيين إلى الآخرين والتي تبقى بالرغم من التحولات التي حدثت محكومة بالطبقة والعرق والسن والجندر والخيارات الجنسية...

يلتقي الكلّ من الكاف وعين دراهم وجندوبة والقصرين والمكانسي وسليانة وتالة وغيرها في رفع نفس المطالب وإن صيغت بطرق مختلفة: المواطنة الكاملة والكرامة والعدالة والمساواة ...فهل معنى ذلك أنّ عددا من التونسيين والتونسيات ما عاد بإمكانهم تحمل برودة المشاعر وتكلس الأحاسيس وصاروا ينشدون دفء الوحدة الوطنية؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا