في الذكرى السادسة لانتصار الثورة التونسية: تونس و أزمة الانفصام الدائم بين طرفي التحالف المؤقت: 17ديسمبر و14جانفي..

لقد كتب وقيل الكثير عن الثورة التونسية، ثورة «الياسمين» وفاتحة ثورات «الربيع العربي» وعن حلمها الأول والمتمثل في شعارها المركزي «ثورة الحرية والكرامة» وعن إخفاقات حكامها ونخبها فيما بعد..ولكن قليلة تلك الكتب والدراسات التي ذهبت إلى عمق المشكل

وسبرت بعض أغوار سوء التفاهم السائد اليوم بين جل نخب البلاد (حتى أولئك الذين يدعون وصلا بالثورة) وبين ما اصطلح على تسميته بشباب الثورة أو بصورة أدق شباب ولايات الثورة...

اليوم وبعد ست سنوات من انتصار أول ثورة شعبية في الفضاء العربي برمته ينبغي أن نتوقف عند سوء التفاهمات التاريخية التي كانت كامنة في المسار الثوري من 17ديسمبر 2010الى 14جانفي2011 والتي انبجست مباشرة اثر هروب بن علي وهي بصدد التفاقم من سنة إلى أخرى بل ومن شهر إلى آخر..

مازال بعضنا يتساءل عن سبب هروب بن علي يوم 14جانفي 2011 وما دار في تلك الساعات بل والدقائق المفصلية والتي انتقلت فيها البلاد بلا رجعة من النظام العائلي المافيوزي إلى منظومة جديدة شعارها المعلن «تحقيق أهداف الثورة « ولكن الأهم من كل ذلك هو أن نتساءل عن معنى انطلاق الثورة ذات جمعة في سيدي بوزيد سويعات قليلة بعد إضرام الشهيد محمد البوعزيزي النار في جسده النحيل وانتصارها بعد أربعة أسابيع في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة..

الجواب العام واضح إلى حد كبير : لقد انطلقت الثورة من شباب وأهالي التخوم (الهوامش) وانتقلت عدواها من حي إلى آخر ومن بلدة إلى أخرى ثم من ولاية (سيدي بوزيد)إلى أخرى(القصرين) كالنار الملتهبة يشتد عودها في كل انتقال ومع كل قمع ويلتحق بها الأهالي من كل جيل بدءا بالشباب فالكهول فالشيوخ..

لاشك انه من المبالغة القول بان كل من شارك في المسار الاحتجاجي الثوري كانوا كلهم من شباب التخوم خلال الأسابيع الثلاثة الأولى..فالعدوى بدأت تنتقل إلى غيرهم وتحمس لها جل شباب تونس ومن يوم إلى آخر بدأ الاحتجاج يخترق كل الأجيال والفئات والجهات ولكن كان لشباب وأهالي التخوم الدور الأكبر من الجمعة 17ديسمبر إلى الأحد 9جانفي الدموي الكارثي والذي سقط فيه العديد من الشهداء وخاصة في القصرين وسيدي بوزيد..

منذ يوم الاثنين 10جانفي حصل المنعرج الحاسم وهو التحاق القوى المنظمة في البلاد بهذا الإعصار الثوري بصفة نهائية والتهبت المدن الكبرى بدءا بصفاقس والتحقت النخب الفكرية والثقافية والإعلامية بها ونظم اتحاد الشغل مسيرات واحتجاجات وإضرابات دورية..واختلطت التخوم بالمركز في تناغم روحي وتوحدت تونس المهمشة التي لا صوت لها فيما قبل بتونس الطبقات الوسطى وحتى الميسورة في حلم مشترك بدأ بالتنديد بـ«عصابة السراق» وانتهى بذلك الديقاج «Dégage» التاريخي أمام وزارة الداخلية..ويمكننا أن نقول –مع الحذر الواجب- بأن جزءا هاما من هياكل الدولة ومن مؤسساتها قد اقترب كثيرا من هذا المسار الثوري ودعمه حتى بمجرد عدم التعرض له.

والواضح انه دون التحاق تونس «المركز» بتونس «التخوم» ما كان بإمكان انتفاضة شباب سيدي بوزيد والقصرين في البداية أن تكون لها هذه النتيجة السريعة والمدوية..

ولكن هذا التحالف بين 17ديسمبر (تونس التخوم)و14جانفي (تونس المركز) كان تحالفا مؤقتا انتهى،تقريبا،مع نهاية القصبة 1و2..

فمنذ الأيام الأولى بعد هروب بن علي استعادت تونس/المركز زمام المبادرة بصفة شبه كلية وأصبحت هي المتحكمة ،تقريبا،في كل شيء..وحتى فكرة المجلس التأسيسي التي انبثقت عن القصبة 1و2 كانت بشكل من الأشكال صياغة سياسية ثم فيما بعد قانونية فدستورية لتونس المركز..

لاشك أن جل الفاعلين الأول في المسار السياسي بعد هروب بن علي كانوا من المعارضين للمنظومة السابقة ومن الديمقراطيين المخلصين وأنهم سعوا بكل ما آوتــوا من جهد لبناء مؤسسات ديمقراطية.. ولكن كلّهم ينتمون لتونس/المركز وكلهم مسكونون بهواجسها...
يمكن أن نلخص هذه السنوات الست تحت يافطة الإنفصام الدائم للتحالف المؤقت بين 17ديسمبر و 14جانفي وهذا ما نتج عنه نوع من الشعور بخيانة ما لهذه النخب مجتمعة التي التحقت بالمسار الثوري الذي أشعلته تونس التخوم ثم انهمكت في خلافاتها وصراعاتها وطموحاتها وطوباوياتها فنسيت بذلك شباب وأهالي التخوم رغم تكرار كل النخب مجتمعة بأنها تريد محاربة الفقر والتهميش والبطالة و..و..و..

عندما نجيل النظر في كل السياسات العمومية لحكومات ما بعد الثورة اقتصاديا واجتماعيا نجد أن هاجسها الأساسي كان إخماد موجة الاحتجاجات بإنفاق عمومي عشوائي في جل الحالات كعدم الترفيع في بعض المواد الأساسية لجميع التونسيين دون تمييز..
أما الإنفاق العمومي المنظم،كالزيادات في الأجور مثلا،فكله قد ذهب لتونس المركز..وكذلك بعض الإجراءات الداعمة لقطاعات اقتصادية تعيش أزمة ظرفية أو هيكلية..

وعندما نقول تونس المركز أو تونس التخوم فنحن لا نقصد رقعة جغرافية معينة فتونس التخوم موجودة في كل الولايات وتونس المركز كذلك..إنما نقصد تونس المنتظمة والمنظمة والمدمجة في الدورة الاقتصادية والثقافية العامة وإن كان ذلك بنسب متفاوتة..
أما تونس التخوم فنحن نعلم اليوم تقريبا كم عددها وأين تتموقع جغرافيا وديمغرافيا وسوسيولوجيا..

في المؤشر الجديد الذي اعتمده المعهد الوطني للإحصاء مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة قسنا لأول مرة ما يسمى بمؤشر الفقر متعدد الأبعاد والذي تحدثنا عنه في أعداد سابقة وتقوم فلسفة هذا المؤشر لا فقط على الدخل الفردي المباشر وغير المباشر كذلك الذي نعتمده في قياس نسبتي الفقر والفقر المدقع بل على قيس نسب الخصاصة في مجالات أربعة بالنسبة للعائلة التونسية وهي التعليم والصحة وظروف الحياة (وخاصة المسكن) والشغل ..وهو بهذا يقيس فعلا ما نسميه بالتهميش والذي بلغ في بلادنا سنة 2016 حوالي 30 % أي أكثر من 3.200.000 تونسية وتونسي ويمكن أن نقول أن مثل هذا العدد يعيش في مجالات غير بعيدة هي الأخرى عن التهميش..

تونس هذه التي لم تتمكن إلى الآن من الانخراط في الدورة التنموية الجدية والايجابية رغم تضحية العائلات والأفراد ورغم حصول جزء من أبنائها على شهائد جامعية ولكنها شهائد تؤهل في الأغلب الأعم للبطالة أو العمل الهش..تونس هذه هي التي تخاطبنا هذه الأيام..أحيانا بصخب ، لأن آذاننا صماء،وفي غالب الأحيان بصوت خافت غلب عليه الإعياء والانتظار واليأس..والحلول الفردية المدمرة من الهجرة السرية إلى المخدرات إلى الانتحار إلى الإرهاب كما يقول عالم الاجتماع الأستاذ محمد الجويلي المدير العام للمرصد الوطني للشباب ..

تونس هذه التي يراهن على ودها بعض السياسيين الشعبويين ويخشاها الحكام تطالبنا بشيء وحيد : إعادة الحياة لذلك التحالف المقدس الذي وفر الشروط السياسية لنجاح الثورة التونسية..
لنفكر لحظة واحدة من موقع أهالي التخوم هذه عندما يشاهدون الصراعات والتناحرات القبلية حول مشروع قانون المالية لهذه السنة: الكل يضغط ويزن، النقابات والموظفون والمحامون وأصحاب المهن الحرة ورجال الأعمال وأصحاب المتاجر..
الكل يزن إلا ثلث هذه البلاد !!

تلك هي الحقيقة اليوم..

لقد أربكت تونس التخوم حكومة الحبيب الصيد ودفعت برئيس الحكومة آنذاك إلى بعض الأفكار الجريئة..ولكنها سرعان ما اختفت باختفاء الاحتجاجات من شاشات التلفزات..
ولنكن نزهاء المسؤولية لا تتحملها الحكومات لوحدها بل تتحملها كل مكونات تونس المركز التي ما تنفك تطلب وتطالب بالمزيد وهي ليست مستعدة ،ذهنيا، لاقتسام الثروة المادية والرمزية مع تونس التخوم..
العقد غير المكتوب بين 17ديسمبر و 14جانفي قام على مبدإ التآزر والتضامن أي القسمة العادلة ..ولكن ما إن أنجز هذا التحالف مهامه حتى نسي 14جانفي ما هو مدين به لـ17ديسمبر..

وسواء أحببنا أم كرهنا فـ17ديسمبر لن يقبل من 14جانفي إلا القسمة العادلة المادية والرمزية..أما القسمة الحالية فهي بكل المقاييس والمعايير قسمة ضيزى
لا..ولن تستمر لأنها فاقدة لإمكانية الدوام..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا