الشعارات...الخطابات الملتبسة... السياسات العمومية: لا لعودة الإرهاب!

الشعار الطاغي اليوم شعبيا وسياسيا هو «لا لعودة الإرهابيين» ويضيف بعضهم حتى وإن اقتضى الأمر تنقيح الدستور وتجريدهم من جنسيتهم التونسية...

شعار «لا لعودة الإرهابيين» صائب ولا شك سياسيا وأخلاقيا واجتماعيا... وهو يؤشر على مخاوف كل التونسيين من عودة جحافل الإرهابيين الموجودين حاليا في سوريا أو ليبيا أو غيرها من البلاد العربية أو الأوروبية... هؤلاء الذين انخرطوا في شبكات إجرامية تسفك الدماء وتقطع أوصال الأوطان وتقترف أبشع أنواع الفظاعات مع دربة جلهم على حرب المدن والمراس على شتى صنوف الأسلحة والمتفجّرات... لهؤلاء يقول التونسيون: أنتم ليس مرحبّا بكم فلا نحن منكم ولا انتم منا... بل لم يعد لجل هؤلاء انتماء يذكر بالآدمية إذ حتى الوحوش الضارية تستنكف عما يفعلون...

وبغض النظر عن الصعوبات القانونية والتقنية لتطبيق هذا الشعار على أرض الواقع فالإيجابي جدا فيه أنه موقظ للهمم ومنبّه على الخطر الداهم الذي يتهدد أمننا الوطني... بل الأكيد أننا أمام أكبر خطر يتهددنا في تاريخنا المعاصر...

لننظر بعين فاحصة إلى ما يدور حولنا... اليوم التنظيم الإرهابي داعش محاصر في أهم معقله في العراق، في مدينة الموصل التي احتلها في جوان 2014 وأقام فيها مركز خلافته الإرهابية المزعومة... والأرجح حسب المتابعين لرحى الحرب هناك أن يتم تحرير الموصل نهائيا بعد أشهر قليلة مع ما يعنيه ذلك من القضاء على الوهم المؤسس لهذه الجماعة الإرهابية ولكن كذلك احتمال هروب المئات بل وحتى الآلاف من عناصرها القتالية ونحن نعلم أن بينهم تونسيين يعدون بالمئات على أقل تقدير...

ثم إن الوضع لن يختلف كثيرا في سوريا فبعد تحرير حلب من براثن جماعات تكفيرية أخرى تنتمي جلها إلى تنظيم القاعدة الإرهابي من المتوقع أن يتم تطهير الأراضي السورية من وجود داعش في الرقة وفي غيرها من المواقع... ونحن نعلم أن هنالك، على أقل تقدير، ألف تونسي مجند في هذا التنظيم الإرهابي...

نفس الشيء يمكن أن نقوله على ليبيا... وقد تتخلص ليبيا من هذه الآفة قبل سوريا على الأرجح... وهنا أيضا لدينا المئات من التونسيين... ومن ثم فالحديث عن عودة المئات من هؤلاء، بوسائل شتى، إلى بلادنا ليس تكهنا أو افتراضا.. بل إنه لغة المنطق ذاته...
وشعار «لا لعودة الإرهابيين» إنما يُعبّر عن هذه المخاوف...

وما زاد الطين بلّة هو تصريحات بعض الساسة بدءا برئيس الجمهورية قبل أن يوضح موقفه... توضيحا لم يبدد، والحق يُقال، كل المخاوف...

ثم ها أن «الشيخ الثاني»، راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، يخرج علينا في كل مرة بـــ»مفهوم» أقل ما يقال فيه أنه ملتبس ومفتوح على تأويلات شتى... فمن وصف الدواعش الإرهابيين بـــ«الإسلام الغاضب» ها هو يصفهم بـــ«اللحم المنتن» الذي ينبغي أن يعود لأهله وأن الإرهابيين يحتاجون إلى «رعاية نفسية»...

وما يزيد الالتباس التباسا عدم اعتراف قيادة حركة النهضة بمسؤوليتها عن حملة تسفير هؤلاء الإرهابيين إلى سوريا زمن حكمها... رغم إقرارها، بين الفينة والأخرى بأخطاء تقديرية، ولكن كيف نقبل من حركة تنتمي للإسلام السياسي أن تكون جاهلة بخطر الإرهاب السلفي الجهادي المعولم سواء كان قاعديا أم داعشيا؟ هل تريد منا الحركة الإسلامية أن نطوي صفحة الماضي دون محاسبة فعلية وجدية؟!

ونقصد بالمحاسبة هنا الإقرار الفعلي والنهائي والصريح بخطإ حركة النهضة وحلفائها في الحكم في تقديرهم للخطر الذي تمثله الجماعات الإرهابية وفي انتهاجهم لسياسات مكنت هذه الجماعات من التغلغل داخليا وخارجيا...
ولكن يبدو أننا لن نظفر بهذا من حركة النهضة ولا كذلك من حليفها السابق حزب المؤتمر ومن كان يدور في فضائه الفكري والمذهبي... والأسباب واضحة وجلية:

فبالنسبة لحركة النهضة فهي لا تجرّم ما يعتبره جل التونسيين تطرفا دينيا ومدخلا تمهيديا للإرهاب... بل تعتبر إلى حد الآن على الأقل أن السلفية والأخْونة (نسبة إلى الإخوان المسلمين) تيارات فكرية معتدلة... وأن وحدها السلفية الجهادية خطيرة... فهذه المناطق الرمادية هي التي تمنع الحركة الإسلامية من التمايز الفكري الجدي والصريح مع كل دعاة التطرف وهذا ينعكس في نوع من العطف على «الأبناء الضالين» ونوع من الطمع في «هدايتهم» إلى الطريق القويم...

أما بالنسبة لحزب المؤتمر فهو مازال يعتبر أن «العدو الرئيسي» هو «الثورة المضادة» المتمثلة في المنظومة القديمة... وبالتالي فلا يمكنه ذهنيا أن يرى أن الخطر الأكبر المهدد للبلاد هو هذه التنظيمات الإرهابية بل تجد قادته، إلى اليوم، يهونون من الأرقام ومن حجم الخطر ويركزون فقط على النقائص الأمنية والقضائية في معالجة الدولة التونسية لهذه الآفة...
فالمسألة، كما ترون، أعمق بكثير من مناقشة دستورية وقانونية لإمكانية منع عودة الإرهابيين إلى تونس من عدمها.. القضية تتعلق بالموقف المبدئي والنظري والعملي من جماعات الإرهاب السلفي الجهادي المعولم ويكفي أن نعود إلى المؤلف الجماعي الذي صدر عن

المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية حول السلفية الجهادية زمن حكم الرئيس السابق لنعلم أن هذا الموقف غائم وغير واضح وأنّ تشدق قيادات حزب المؤتمر بإعداد استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب في إطار هذا المركز هو عين المغالطة...

ولكل هذا لا نعجب من اصطفاف كل هذه الأطياف اليوم ضد شعار «لا لعودة الإرهابيين» بتعلة الاستحالة الدستورية والقانونية لمثل هذا الشعار بينما ما يرمي إليه هذا الشعار هو الضغط على السلطة التنفيذية وكذلك على الطبقة السياسية نظرا لخطورة الوضع وضرورة الاستعداد الجيد للتصدي له...

مسألة أخرى تمنع الاصطفاف الوطني الواضح وتتعلق هذه المرة بالسياسات العمومية لمعالجة هذه القنابل الموقوتة ونقصد هنا بالتحديد الضرورة الحيوية للتنسيق الأمني والاستعلاماتي مع النظام السوري بداية وكذلك مع الأنظمة والجهات التي تجد نفسها في مواجهة الجماعات الداعشية كالعراق وإيران وتركيا وأيضا لو توفر هذا مع المجموعات الكردية في سوريا تحديدا ومع حزب الله أيضا...

هذا ما تقتضيه مصلحتنا الوطنية اليوم نظرا لوجود جل الإرهابيين التونسيين في هذه المناطق ولمعرفة هذه الأنظمة وهذه الجهات بجملة من المعطيات المتعلقة بهم... وغني عن القول بأن بعض الأحزاب السياسية في بلادنا والتي جعلت من إسقاط نظام بشار الأسد أولوية من أولوياتها الفكرية لا يمكنها القبول بمثل هذا... بل وفيهم من يعتبر في قرارة نفسه بأن الدواعش أقل خطرا من نظام الأسد !!

بعد كل هذا ينبغي أن نتناول موضوع عودة الإرهابيين، كأفراد، بكثير من العقلانية... فلو افترضنا، جدلا، إمكانية تنقيح الدستور وخاصة في فصله الخامس والعشرين الذي يحجر سحب الجنسية التونسية من أي مواطن.... فنحن سنكون في حرج كبير مع كل الشركاء الذين ذكرناهم بالتحديد... إذ لو رفضنا قبول إرهابيين تم إيقافهم في سوريا خاصة فهذا يعني أن النظام السوري هو الذي سيتولى وسجنهم عنده بعد محاكمتهم...

ولا نرى نظاما واحدا يقبل بهذا إذ سيمثل هؤلاء الإرهابيين المسجونين في بلد كسوريا أو العراق خطرا دائما على هذه الدول... وبرفض تسلمنا للضالعين في الإرهاب أو في المشتبه بهم في الانتماء لتنظيمات إرهابية نكون قد قطعنا كل إمكانية تعاون استعلاماتي وقضائي بيننا وبين هذه الدول...

فلو قبضنا على إرهابيين تسللوا خلسة إلى أرض الوطن وجردناهم من جنسيتهم، بحكم قضائي، فإلى من سنعيدهم يا ترى؟!

إن النقاش الهادئ والمرتكز على رفضنا المطلق والقطعي للإرهاب فكرا وتنظيمات وممارسات هو الذي سيسمح لنا بوضع الصيغ القانونية الملائمة لتحصين بلادنا من هذه الآفة دون أن نرفض تحمل مسؤولياتنا كاملة في هذه الحرب الكونية... فلن تقبل أية دولة أن تقوم مقامنا للتوقي من هذه العناصر الخطيرة...

للأسف نكتشف مرة أخرى، أننا مازلنا غير موحدين وطنيا في حربنا على الإرهاب... ولكن الخطأ ليس خطأ القوى الديمقراطية والمدنية... بل خطأ من لم يعدل بعد كل أوتاره على أوتار تونس وشواغلها ومصالحها الحيوية...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا