في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في حدود وضرورة الديمقراطية التمثيلية

نحتفل اليوم في تونس كما في العالم بذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. نحتفل اليوم بهذه الذكرى ونحن نسعى جميعا، رغم التعثرات والانكسارات، لإنجاز هذا الحلم الكبير لأجيال من الديمقراطيات والديمقراطيين: إرساء دولة حقوق الإنسان والحريات في ظل ديمقراطية سياسية

واجتماعية كاملة غير منقوصة لا بدواعي الخصوصية الثقافية ولا بدواعي البراغماتية الاقتصادية...
ولكن عندما يشاهد مواطنونا بعض مآلات هذه الثورة الديمقراطية ممثلة اليوم بالأساس في الهيئة التمثيلية الأساسية: مجلس نواب الشعب قد تعتريهم بعض الشكوك على صحة المسار...

فهل نحن فعلا بصدد إرساء منظومة ديمقراطية ترجع الأمر كله للشعب أم نحن إزاء منظومة قبلية فئوية تغلب عليها الحسابات والتكتيكات والتحالفات وتضيع فيها بعض الحقوق والمصالح العامة؟...
ويحق للتونسيين اليوم أن يتساءلوا هل أنهم انتخبوا ممثلين لهم يحملون مشاغلهم ويجتهدون لتقديم حلول لمشاكلهم أم أنهم انتخبوا ممثلين لقبائل حزبية وقطاعية وفئوية تتناحر وتتحالف وفق مصالح قبائلها الخاصة؟!
لا نجادل في حق النائب، كل نائب، في التعبير عن رأيه ولو بحماسة مفرطة فيما يعنّ له من القضايا.. ولكن أن يختص بعض النواب – ولا نفهم– بالحماسة المفرطة كلما تعلق الأمر بقبائلهم المخصوصة وأن يكون فاترا كلما تعلق الأمر بالمصالح العامة فذلك ما لا يفهمه جزء هام من مواطنينا...

ونتيجة كل هذا نجد في كل عمليات سبر الآراء من الثورة إلى الآن ارتيابا كبيرا في الأحزاب السياسية وعدم ثقة كبيرة في الديمقراطية التمثيلية وانطباعا سائدا بأنه لا تُعطى الكلمة للشعب إلا عند الانتخابات ثم تسحب منه لفائدة نخبة سياسية لا يرى بعض أعضائها أنهم مؤتمنون على هذه الأصوات وأنه لا يحق لهم أن يفعلوا بهذا التفويض الشعبي ما يريدون...

ولكن هل بإمكاننا تحقيق حلم دولة الحقوق والحريات دون ديمقراطية تمثيلية؟! بعبارة أخرى هل يمكن تحقيق الحقوق والحريات دون ديمقراطية انتخابية؟
الأكيد أنه لا بديل عن الديمقراطية الانتخابية – أيا كانت مساوئها – سوى التسلط والاستبداد...

والتسلط مهما كانت دواعيه والمبررات التي يقدمها يتعدى على الحقوق وينتهك الحريات ولا يحقق التنمية العادلة والمتوازنة التي ينشدها جميع التونسيين...
يبقى أن الصورة التي تعطيها أحيانا ديمقراطيتنا التمثيلية وأحزابنا السياسية إنما هي معول يستفيد منه خصوم الديمقراطية وأن مرحلة «التدرب» على الديمقراطية لا تسمح بكل شيء وخاصة لا يمكن أن تبرر أن يتحول النائب من ممثل للشعب إلى ممثل لفئته أو مهنته أو

جهته أو حزبه رغم إقرارنا بمعقولية الانضباط الحزبي شريطة ألا يتلاعب بالمصلحة الوطنية...

ولا بد من الإقرار أيضا بأن المنظومة الإعلامية تلعب أحيانا دورا سيئا في تدهور المشهد السياسي عندما تحرص على إبراز الغرائبي والفضائحي وتتجاهل – تحت مسميات عدة – أصحاب الرأي الجديين من النواب ومن السياسيين بحجة أنهم لا يحققون نسب مشاهدة مرتفعة... وعندما تنخرط بعض الأوساط الإعلامية في هذا اللهاث المسعور نحو «الباز» فنحن نهدد، من حيث أدركنا أم لم ندرك، مشروعية المشهد الديمقراطي برمته...

لا شك أن عدم اكتمال كل المؤسسات التمثيلية وخاصة البلديات والجهات من شأنه أن يركز كل الأنظار على مجلس نواب الشعب فقط.. فلو شرعنا في الانتخابات المحلية لدورة أولى ثم لثانية فسوف يتم تجديد هام للطبقة السياسية التونسية حيث تكون القدرة على الإشعاع المحلي هي المعيار الأساسي بدل الاختيار المركزي للأحزاب وعندها قد نخفف كثيرا من هيمنة العقلية القبلية الفئوية ونبدأ في مصالحة جدية بين التونسي ونخبته السياسية...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا