بعد شهرين من «حرب» مشروع قانون المالية: هل فقدت حكومة الشاهد نفَسَها الإصلاحي؟

تنفّس جلّ التونسيين الصعداء يوم أمس بعد التوصل إلى اتفاق بين الحكومة واتحاد الشغل حول كيفية صرف زيادات 2017 في قطاع الوظيفة العمومية وبالتالي تم إلغاء الإضراب العام في هذا القطاع الذي كان مبرمجا اليوم الخميس 8 ديسمبر.

لا عاقل في البلاد كان يتمنى حدوث صدام بين الحكومة واتحاد الشغل لا اليوم ولا غدا ولا أحد يتصور أنه بإمكان الإصلاح مع المرور بقوة وضرب الحوار الاجتماعي في مقتل...

ولكن ما هي محصلة «حرب» مشروع قانون المالية بعد أكثر من شهرين من خوضها من قبل حكومة يوسف الشاهد؟

لا شيء أو يكاد.. فلقد سقطت أهم عناوينها الثلاثة: تأجيل الزيادات بالنسبة للموظفين بسنة على الأقل وفرض نظام طريقة جديدة لاستخلاص جباية بعض المهن الحرة (الطابع الجبائي بالنسبة للمحامين مثلا) ورفع السر البنكي دون إذن قضائي.. كل هذه العناوين ستغيّب عن قانون المالية للسنة القادمة إما كليا (السر البنكي) أو جزئيا (جباية المهن الحرة وتأجيل الزيادة في الأجور). وحده الترفيع بـــ 7,5 % في الضريبة على الشركات هو الذي بقي.. أي وكأن أصحاب الشركات – مبدئيا على الأقل – هم الذين سيقومون بالجهد الأكبر في السنة القادمة...

والسؤال اليوم هو ماذا بعد كل هذا وهل مازالت حكومة يوسف الشاهد قادرة على خوض معارك كهذه بعد أن أجبرت على التراجع في جل ما أقدمت عليه؟

والسؤال الأهم هو ماذا سيبقى في أذهان التونسيين بعد أن قال لهم رئيس حكومتهم أن المالية العمومية لا تسمح له مطلقا بدفع الزيادات المتفق عليها مع الاتحاد بالنسبة للموظفين ثم ها هو يمضي على صرف زيادات 2017 في 15 شهرا بدلا من 12!! أفلا يؤكد رئيس الحكومة بهذا أن كل ما قاله سابقا ليس جديا وأن الوضع ليس بالخطورة التي تحدث عنها؟!

نقول ونكرر بأن الاتفاق مع اتحاد الشغل ضروري وأن موقف الحكومة، قانونا، كان هو الضعيف... ولكن ما نناقشه هنا هو قدرة الحكومة الحالية على قيادة بداية الإصلاحات التي أعلنت عنها عند تقديمها في بداية أكتوبر لأولويات إصلاح المالية العمومية....
قد تعمد الحكومة إلى بعض «الحيل الشرعية» لكي لا تضيف صرف 54 % من الزيادة لسنة 2017 التي أقرتها يوم أمس والتي تقدر بحوالي نصف مليار دينار إلى كتلة الأجور وأن تجد لها «خانة» أخرى مغايرة...

ولكن النتيجة أن كتلة الأجور الحقيقية لسنة 2017 ستكون في حدود 14,2 مليار دينار...

ودون أن يكون المرء خبيرا في المالية العمومية فإن هذا الفارق سوف يكون على حساب الاستثمار لأننا لا نتوقع مداخيل إضافية للدولة غير تلك المبرمجة في مشروع قانون المالية الحالي...
والسؤال «البريء» هنا هو ما هي إمكانيات الحكومة الحالية للحد من نسبة كتلة الأجور من الناتج الإجمالي الداخلي كما تعهدت بذلك الدولة التونسية مع صندوق النقد الدولي وكما هو منطق التسيير السليم؟! كيف ستتصرف الحكومة؟ وكيف ستكون ميزانية سنة 2018؟ والحال أنها ستتحمل، نظريا، نصف زيادات 2017 و4 أشهر زيادات لسنة 2018 التابعة للاتفاقية الثلاثية التي تنتهي في موفى أفريل 2018 ثم 8 أشهر كزيادات للاتفاقية الجديدة التي ستنطلق المفاوضات بشأنها في أفريل 2018... أي أن ميزانية الدولة لسنة 2018 سوف تتحمل زيادة سنة ونصف... كل هذا في ظل نمو هش خلال السنتين القادمتين؟

ثم هل ستصمد الحكومة أمام المطالب القطاعية الأخرى؟ المعطيات العيانية تفيد بأن التراجع أضحى هو القاعدة مع الاكتفاء بالحد الأدنى «النقابي» على حسب المثل الفرنسي...
لا شك أن هذه الأسابيع القليلة الماضية قد بينت بأن تونس عصيّة على الإصلاح وأن جل القطاعات تنادي بالإصلاح ولكنها ترفضه عندما يتعلق الأمر بها...
واليوم نريد أن نعرف ما هو تصور الحكومة الحالية لحزمة الإصلاحات التي تنوي تقديمها في المستقبل القريب وهل أن هاجس إنقاذ المالية العمومية مازال قائما أم أنه أصبح في خبر كان؟
أسئلة نتمنى إجابة عنها في الأيام القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا