عودة سياسية أم عودة السياسة؟

جرت العادة في تونس، وفي غيرها، الحديث عن

«العودة» ما بين شهري سبتمبر وأكتوبر، عودة مدرسية.. عودة اجتماعية.. عودة سياسية.. فالصائفة عندنا تقطع السنة لأنها موسم «الاستراحة» و«الراحة» ولو لم تكن مطلقا كذلك هذه السنة لجموع التونسيات والتونسيين فقد عانوا  فيها الأمرّين جراء الانقطاعات المتكررة للماء وللكهرباء إضافة إلى معاناة جزء هام من مواطنينا لاعتبارات اقتصادية واجتماعية أو لوجود أحبة وراء قضبان السجون أو خوفا على من اختار مجابهة البحر ومخاطره أملا في جنة «موعودة» في الشمال..

العودة السياسية تختلف من سنة إلى أخرى وفق وجود أفق انتخابي قريب من عدمه.. وفي تونس ستكون نهاية السنة القادمة موعدا لتجديد البرلمان وفق النظام القاعدي الجديد ولكن الموعد الأهم بلا منازع هو اقتراب الانتخابات الرئاسية لسنة 2029 وما يحف حولها من أسئلة وتنازعات واختلافات جوهرية بدأت تظهر بواكيرها منذ الآن...

قد يبدو الحديث عن عودة سياسية غريبا في تونس اليوم لأن السياسة بما هي نقاش وصراع الأفكار والبرامج والطموحات الشخصية والجماعية من أجل إدارة الشأن العام والتداول السلمي على السلطة قد تمّ استبعادها بكل أبعادها من جوهر إدارة الحكم منذ خمس سنوات.. فعن أي عودة سياسية نتحدث إذن؟

ينبغي بداية التأكيد على أنه يستحيل القضاء على السياسة - كما عرّفناها - في الاجتماع البشري قديما وحديثا.. قد تضمر مساحة السياسة وقد تتسع ولكنها تبقى دوما من صميم طبيعة الاجتماع البشري..

لقد تم في تونس منذ خمس سنوات التقليم التدريجي والمنهجي للأجسام الوسيطة من أحزاب وجمعيات ومنظمات وإعلام وقد أدى هذا بصفة واضحة إلى ضعف جلّ هذه الأجسام. بل وتم «تأبينها» في منابر عدة باعتبار أن عهد الأجسام الوسيطة (أي جوهر الديمقراطية التمثيلية) قد ولى وانتهى، ولكن لم يتم القضاء على مقاومة جلّ هذه الأجسام الوسيطة وبقيت تعبّر عن وجودها ومطالبها واحتجاجاتها حتى وإن خفت صوتها أحيانا وحتى وإن تمّ الاغلاق السياسي لقوس الانتقال الديمقراطي..

في الرياضيات هنالك ما يسمى بنقطة الانعطاف (le point d'inflexion) حيث تتحول علامة منحنى ما من السلبي إلى الايجابي أو العكس، ويمكن أن نعتبر هنا أن المسيرة التي نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 17 أكتوبر الجاري مع شركائه في المجتمع المدني وبحضور عدة آلاف من المواطنات والمواطنين من مشارب وتوجهات وأجيال شتى تمثل نقطة الانعطاف هذه في منحنى انحدار الأجسام الوسيطة وذلك لأسباب عدة لعلّ أهمها، ودون أية تفاضلية في الترتيب للعناصر التالية:

  • عجز السلطة السياسية - إلى حدّ الآن - على تحقيق وعودها الاجتماعية.
  • التراجع المتواصل للقدرة الشرائية لعموم المواطنات والمواطنين.
  • الضعف الفادح للخدمات العمومية خاصة زمن الأزمات (انقطاعات الكهرباء والماء في الصائفة الفارطة نموذجا)
  • تشبث فئات هامة من التونسيات والتونسيين بالحريات وبالديمقراطية التمثيلية وبالتنمية العادلة والمستدامة.
  • استنكار متعاظم - ولو أنه يبدو مازال أقليا - للمحاكمات السياسية لسياسيين ونشطاء في المجتمع المدني وإعلاميين ومواطنين..
  • التآكل النسبي لشعبية السلطة السياسية..

كل هذه العوامل، وغيرها تفسر نقطة الانعطاف هذه وتبقى، بعد ذلك، وتيرة الصعود - من عدمه - رهينة عناصر القوة (أو الضعف) لهذه الأجسام الوسيطة وقدرتها على توحيد المواقف وحشد الرأي العام وخلق شروط موازين قوى مختلفة في الأفق المنظور..

ولابد أن نضيف إلى كل هذا عنصرا هاما في دلالته حتى وإن كان محدودا في ظهوره وهو التملل الواضح في صفوف القوى والتيارات والشخصيات التي ساندت  25 جويلية 2021 فبعضها عبّر عن معارضته بوضوح دون أن يعني ذلك أنه التحق بالمعارضات التي رفضت 25 جويلية وبعضها الآخر دعا إلى مصالحة وطنية دون تحديد مدى اتساعها وهل ستكون لكل المعارضين أم لبعضهم فقط؟ والأكيد على كل حال أنّ عدد المسرورين تماما بالسير الحالي لأوضاع البلاد في تراجع واضح..

كل هذا يؤشرّ أن هذه العودة السياسية ستكون - على الأرجح - عودة للسياسة بما هي صراع للأفكار وللتوجهات وللطموحات بين السلطة وكل معارضيها أو منتقديها أو حتى مؤيديها..

يبقى أن لا أحد يعلم الآن كيف ستتعامل السلطة السياسية مع هذا المنعطف.. هل ستصغي إليه؟ أم ستستمر في نفس النهج معتبرة أن كل هذه الأصوات مآلها حتما إلى زوال؟!

على كل حال وأيّا كانت المآلات فعودة السياسة - على عكس ما يعتقد البعض - مفيدة للبلاد وللعباد.

 

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115