تمويل البنك المركزي للميزانية في 2027: كلفة مؤجلة أم حلّ يتكرر؟

 

لم يعد التمويل المباشر من البنك المركزي لميزانية

الدولة مجرد إجراء استثنائي فرضته صعوبات ظرفية، فبعد اعتماده في 2024، وتواصله في 2025 و2026، قد يطرح إدراجه مجددا في تمويل ميزانية 2027 وللمرة الرابعة سؤالا يتجاوز حجم الأموال المرصودة وآجال سدادها، هل ما زالت الدولة أمام حل استثنائي لتجاوز أزمة تمويل، أم أن الاستثناء يتحول تدريجيا إلى إحدى آليات تمويل الميزانية؟ والسؤال الأهم، ما الذي يعنيه تكرار هذا الخيار بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، ومن يتحمل كلفته على المدى المتوسط والطويل؟.

قد يبدو اللجوء إلى البنك المركزي في الظاهر حلا أقل كلفة من الاقتراض الخارجي أو الاقتراض الداخلي المكلف، فهو يوفر للميزانية موارد في ظرف تتقلص فيه هوامش التحرك، ويجنبها في المدى القصير ضغوطًا إضافية مرتبطة بالأسواق المالية الخارجية، لكن الكلفة التي لا تظهر مباشرة في ميزانية الدولة قد تنتقل إلى الاقتصاد في صور أخرى.

فالتمويل النقدي لا يخلق موارد حقيقية بحد ذاته، وإذا وجه أساسا إلى تمويل النفقات الجارية، من أجور ودعم وخدمات، بدل تمويل الاستثمار ورفع القدرة الإنتاجية، فإن الاقتصاد يحصل على سيولة إضافية من دون أن يحصل بالضرورة على إنتاج إضافي يوازيها. ومن هنا تبرز إحدى أبرز المخاوف التي يطرحها الاقتصاديون المتمثلة في احتمال انتقال جزء من كلفة تمويل الدولة إلى الأسعار والقدرة الشرائية، غير أن التضخم ليس الخطر الوحيد.

أتاح قانون خاص للبنك المركزي منح تسهيلات لفائدة الميزانية في حدود 7 مليارات دينار سنة 2024. وتواصل اللجوء إلى الآلية في قانون مالية 2025، قبل أن يرتفع المبلغ المبرمج في قانون مالية 2026 إلى 11 مليار دينار، وبذلك انتقل التمويل المباشر تدريجيا من وضعية الاستثناء إلى آلية تتكرر في تمويل الميزانية، قد يبدو هذا الخيار، في كل مرة، وكأنه يوفر للدولة مخرجا سريعا من ضغوط التمويل، خصوصا في ظل صعوبة تعبئة موارد خارجية بشروط ميسرة وارتفاع حاجيات الخزينة، كما أن كلفة التمويل المباشرة تبدو محدودة عندما يتعلق الأمر بتسهيلات دون فوائد وبآجال سداد طويلة.

فالمخاوف التي يطرحها عدد من الاقتصاديين لا تتعلق بمجرد ضخ الأموال في حد ذاته، وإنما بما إذا كان التمويل النقدي يتحول إلى مورد متكرر لتمويل نفقات جارية واستهلاكية، في وقت لا ترتفع فيه القدرة الإنتاجية بالسرعة نفسها، عندها يمكن أن تتحول السيولة الإضافية إلى ضغط على الأسعار والطلب على العملة الأجنبية، بدل أن تتحول إلى استثمار وإنتاج وخلق للثروة. وهذه النقطة تصبح أكثر حساسية في اقتصاد يعتمد على توريد الطاقة ومواد وتجهيزات أساسية، لأن الدينار الذي يضخ محليا لا يتحول تلقائيا إلى عملة صعبة يمكن استخدامها لتمويل الواردات، ولذلك فإن معالجة أزمة تمويل الميزانية داخليا لا تعني بالضرورة معالجة أزمة التمويل الخارجي.

كما أن تكرار التمويل يطرح سؤالا آخر يتعلق بالقطاع الخاص، فإذا احتاجت الدولة بصورة متزايدة إلى الموارد المتاحة في السوق المحلية، فما الذي يتبقى لتمويل الاستثمار الخاص؟ وهل يمكن أن تؤدي أولوية تمويل احتياجات الخزينة إلى تضييق هامش التمويل أمام المؤسسات، في اقتصاد يحتاج أصلا إلى رفع الاستثمار وتحسين الإنتاجية وخلق مواطن الشغل؟ ولا يعني ذلك أن اللجوء إلى البنك المركزي يؤدي آليا وفي كل الظروف إلى ضغوط تضخمية أو أزمة نقدية، فالتأثير الفعلي يتوقف على حجم التمويل وطريقة استخدامه وحجم السيولة وتطور الإنتاج والطلب، ووضعية الحسابات الخارجية. كما أن البديل ليس دائما بلا كلفة، الاقتراض الخارجي مكلف والاقتراض الداخلي له حدوده، والترفيع في الضرائب له أيضا انعكاسات اقتصادية واجتماعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى عادة ويصبح التمويل المباشر حلا متكررا لعجز لم تتم معالجة أسبابه.

ففي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، لا تكفي زيادة السيولة بالدينار لتوفير حاجيات البلاد من العملة الصعبة. وإذا تحولت السيولة الإضافية إلى طلب على السلع المستوردة، فإن الضغط يمكن أن ينتقل من السوق الداخلية إلى سوق الصرف والاحتياطي من العملة الأجنبية. وتزداد حساسية المسألة عندما تكون فاتورة الطاقة مرتفعة، لأن هامش التقليص في هذا النوع من الواردات محدود. والنقاش حول 2027 يجب ألا يتوقف عند حجم التمويل الذي يمكن أن يمنحه البنك المركزي للميزانية وإنما يجب أن ينتقل إلى السؤال الأصعب، إلى متى يمكن مواصلة تمويل عجز الميزانية بهذه الطريقة من دون تغيير الأسباب التي تنتج الحاجة إلى التمويل أصلا؟.

فإذا كانت الموارد الجبائية لا تنمو بما يكفي، والنمو الاقتصادي يبقى محدودا، وحاجيات الدولة من الإنفاق مرتفعة والموارد الخارجية من العملة الصعبة تظل هشة، فإن تمويل البنك المركزي قد ينجح في سدّ فجوة سنة، لكنه لا يغلق فجوة الاقتصاد. والخطر الأكبر، في هذه الحالة أن تتراكم الفاتورة تدريجيا، تضخم في ارتفاع وضغط على السيولة وتراجع في الاستثمار وضغط أكبر على العملة وحاجيات تمويل جديدة في السنة التالية إلى أن يصبح الخروج من الحلقة أكثر كلفة من الدخول إليها.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي في ميزانية 2027 ليس فقط، كم سيقرض البنك المركزي للدولة؟ بل هل ستكون السنة الرابعة بداية نهاية الاعتماد على هذا التمويل، أم بداية مرحلة يصبح فيها الاستثناء قاعدة؟ فالاقتصاد قد يحتمل تأجيل الكلفة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع إلغاءها، فإذا ظل العجز قائما، وظلت النفقات مرتفعة وظل النمو ضعيفا وموارد العملة الصعبة محدودة، فإن التمويل المباشر قد ينجح في تأجيل المشكلة لكنه لا يعالج أسبابها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115