كيف يُعيد التنافس المحتدم بين روسيا والاتحاد الأوروبي رسم خارطة النظام الدولي ؟

يشهد النظام الدولي اليوم واحدة من أعنف وأعقد

أزماته الجيوسياسية منذ الحرب الباردة، حيث تحولت القارة الأوروبية إلى مسرح مفتوح لصراع استراتيجي وجودي بين روسيا والاتحاد الأوروبي. ولم يعد النزاع محصورا في الساحة الأوكرانية أو غيرها، بل تطور ليتحول إلى صدام شامل يمس الأمن القومي، ومستقبل الطاقة والهياكل الاقتصادية وكذلك العقائد العسكرية التي انعكست في سلاح التسلح المتنامي لدى الطرفين.

والمعلوم أن هذا التصدع لم ينشأ بين موسكو وبروكسل بين عشية وضحاها، فقد تراكمت التوترات عبر عقود من توسع حلف الناتو شرقا، وتضارب المصالح في فضاء الاتحاد السوفيتي السابق. غير أن الحرب الأوكرانية شكلت نقطة التحول الكبرى والزلزال الذي دمر آخر جسور الثقة المتبقية.

ورد الاتحاد الأوروبي على التحركات الروسية بسلسلة غير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية والمالية القاسية، مستهدفا قطاعات الطاقة والبنوك والتكنولوجيا، في محاولة لتقويض آلة الحرب الروسية. وفي المقابل، أعادت موسكو توجيه بوصلتها الاقتصادية نحو الشرق الأقصى، مستغلة أزمة الطاقة لفرض واقع جديد يعيد تنظيم سلاسل الإمداد العالمية بعيدا عن الهيمنة الأوروبية.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن  المخاوف الأوروبية تتجاوز حدود الساحة الأوكرانية لتتحول إلى هلع استراتيجي من تصعيد روسي شامل يطال أراضي دول حلف الناتو، متخذا أشكالا متعددة من الهجمات الهجينة، وتوغلات المسيّرات، وصولا إلى التهديدات النووية. وهو ما وثقته الصحافة الغربية في تقارير عديدة حيث ركزت صحيفة "لوتان" على استعدادات بولونيا لضربات محتملة، وتحدثت صحيفة "تلغراف" عن مؤشرات الحرب الهجينة، بينما أبرزت "صنداي تايمز" تعزيز حضور الناتو في غرينلاند، وسلطت تقارير إعلامية أخرى  الضوء على الاستعدادات  العسكرية البريطانية تحسبا لاي تصعيد روسي.  وتحمل الخطابات الرسمية المتبادلة مؤخرا بين قادة الدول الأوروبية والقيادة الروسية، وعلى رأسها الرئيس فلاديمير بوتين، نبرة تصعيدية غير مسبوقة.

ومن منظور موسكو، يؤكد الرئيس بوتين مرارا أن روسيا تخوض معركة وجودية ضد ما وصفه بـ "الهيمنة الغربية الغاشمة" وسياسات التمدد الأطلسي التي تهدد الأمن القومي الروسي مباشرة. كما حذر الكرملين من أن أي تدخل عسكري مباشر من قبل دول حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي سيقابل بردود "صاعقة وفورية"، ملوحا بالترسانة النووية الروسية .

في المقابل، ومن منظور العواصم الأوروبية، تتبنى بروكسل والعواصم الكبرى مثل برلين وباريس عقيدة عسكرية جديدة تقوم على "الاستعداد للأسوأ". وتتصاعد الأصوات المطالبة ببناء "استقلال استراتيجي أوروبي" يعتمد على القدرات  الذاتية الأوروبية ، بعيدا عن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية، لا سيما مع تنامي التهديدات الروسية المباشرة لأمن القارة.

وفي خضم ذلك، أعاد سباق التسلح المحتدم فرض نفسه بقوة على أجندة السياسة الدولية. فقد ضخت الدول الأوروبية مئات المليارات لتحديث جيوشها، وتوسيع الصناعات الدفاعية، وزيادة الإنفاق العسكري لمستويات تاريخية لم تشهدها منذ عقود، في حين وضعت روسيا اقتصادها على "طوارئ الحرب" موجهة نسبة غير مسبوقة من ناتجها المحلي الإجمالي لقطاع التسليح والتصنيع العسكري.

وفي هذا السياق، وبحسب الأرقام والبيانات الصادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بالإضافة إلى تقارير المركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإن الإنفاق العسكري والتسلح يُظهر واقعا معقدا ومتباينا ، فبينما سجل الإنفاق الدفاعي الأوروبي نموا ملحوظا بنسبة نحو 20 بالمئة في عام 2025 -مع تخصيص الإطار المالي للاتحاد الأوروبي 131 مليار يورو للدفاع، ووصول إجمالي الإنفاق العسكري لدول الاتحاد إلى نحو 454 مليار يورو في ميزانيات عام 2026 مع تجاوز غالبية الدول سقف الـ 2 بالمئة المعتمد للناتو- إلا أن هذا النمو يتسم بعدم التوازن، إذ تعتمد الزيادة أساسا على القرب الجغرافي من روسيا، لتصل نسب إنفاق دول المواجهة مثل بولونيا ودول البلطيق إلى ما بين 3.5 بالمئة وأكثر من 4.4 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي لردم الفجوات التكنولوجية. ومع ذلك، تكشف الأرقام عن فجوة حرجة في مجال البحث والتطوير  إذ أنفقت الدول الـ27 في الاتحاد الأوروبي 403 مليارات يورو فقط، وهو أقل بكثير مما استثمرته الصين (893 مليار يورو) أو الولايات المتحدة (874.66 مليار يورو)، مما يفاقم تبعية أوروبا التكنولوجية ويزيد من التحديات الاستراتيجية. وفي مواجهة هذه التحديات غير المسبوقة، اعتمد الاتحاد الأوروبي استراتيجيات دفاعية جديدة مثل خارطة طريق الجاهزية الدفاعية لعام 2030 لبناء قدرات ذاتية، تزامنا مع فرض عقوبات قاسية. وفي المقابل، خصصت روسيا نحو 6.3 بالمئة إلى 7.5 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي  أي ما يعادل 15 إلى 16 تريليون روبل سنويا لتمويل قطاع التصنيع الحربي ضمن عقيدة "اقتصاد الحرب" وذلك وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI.    كل ذلك خلق ضغوطا هيكلية وتضخما متزايدا دفع موسكو نحو محاولة ترشيد التكاليف العسكرية للحفاظ على استقرار اقتصادها على المدى الطويل.

ولعل التساؤل الذي يفرض نفسه هو: هل يقود هذا السباق المحموم إلى حرب عالمية ثالثة؟

على الرغم من قتامة المشهد وارتفاع حدة التصريحات المتبادلة الهجومية، يرى المحللون الاستراتيجيون أن شبح "الحرب العالمية الثالثة المباشرة" لا يزال محكوما بقواعد الردع النووي المتبادل.

لذلك فإن المآلات الأرجح لن تفضي إلى حرب عالمية تقليدية، بل ستتخذ أشكالا بديلة ومستدامة، أبرزها حرب استنزاف طويلة الأمد واستمرار النزاع بالوكالة والصراع الجيوسياسي والاقتصادي والسيبراني المستمر. وهذا من شأنه أن يؤدي لبروز عالم ثنائي القطبية جديد يكرس الانفصال الاقتصادي والمالي بين الغرب وروسيا، مع اتجاه موسكو نحو توثيق تحالفاتها مع قوى آسيوية كبرى.

ولا تقتصر تداعيات هذا الصراع الوجودي بين روسيا والاتحاد الأوروبي على البعد القاري أو الأوروبي فحسب، بل تمتد ارتداداته العميقة لتلقي بظلال كارثية على عالم مثخن بالأزمات والاضطرابات الهيكلية. فعلى الصعيد العالمي، يؤدي سباق التسلح الضخم الى إعادة توجيه سلاسل الإمداد وتصدع منظومة التجارة الدولية  وبالتالي تفاقم أزمات الأمن الغذائي والطاقي، وارتفاع معدلات التضخم التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي. وتبعا لكل هذه التداعيات والأخطار يبرز السؤال الجلي وهو،  أين نحن في تونس ومنطقة الشرق الأوسط عموما من كل هذه التحولات ؟

يبدو أن تداعيات هذا الصراع تتجلى بوضوح في الضغوط الحادة المفروضة على أسعار الحبوب والمواد الأساسية ومشتقات الطاقة، مما يزيد من هشاشة الأمن الغذائي والاقتصادي في المنطقة. وفي ظل استنزاف الموارد والتركيز الغربي والأوروبي المكثف نحو الجبهة الشرقية وأوكرانيا، تجد دول المنطقة نفسها أمام تحديات جسيمة تفرض عليها تبديد التداعيات عبر تنويع الشراكات، والتعامل بحذر مع معادلات الاستقطاب الدولي المتسارعة، والبحث عن آليات وطنية وإقليمية لحماية استقرارها الاقتصادي والاجتماعي وسط هذا المخاض العالمي المعقد.

الأكيد بأن هذا الصراع بين روسيا والاتحاد الأوروبي هو مخاض عسير لنظام دولي جديد قيد التشكل. فسباق التسلح الحالي لا يعني حتمية اندلاع حرب عالمية كبرى، ولكنه يرسم عصرا جديدا من التوتر البارد الذي يتحكم في  تفاصيل السياسة الدولية لعقود قادمة.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115