حينما تغيب المعطيات

ثلاثة أسابيع تفصلنا عن نهاية الآجال الدستورية

لتقديم مشروع قانون المالية 2027 إلى الغرفتين التشريعيتين، ورغم ذلك لم تقدم الحكومة تقريرها السداسي الخاص بتنفيذ الميزانية المنصوص عليه في الفصل 62 من القانون الأساسي للميزانية.

هذا الفصل، وإن لم يضبط آجالاً لعرض التقرير على البرلمان، إلا أن العرف السياسي في البلاد جعل من تاريخ 31 جويلية موعداً قاراً لتقديم التقرير النصف سنوي للبرلمان، ولكن هذه السنة أُسقط هذا التقليد دون أن تشرح لماذا؟

الإجابة عن سؤال لماذا مهمة هنا، لا من أجل التمسك بالحدود الدنيا للحوكمة الرشيدة ولا الشفافية، إنما للانضباط في منطق الحسابات والاقتصاد، إذ إن التقرير السداسي ليس وثيقة إدارية، بل وثيقة مالية اقتصادية تسمح بتقييم فرضيات قانون المالية الجاري العمل به: نسب النمو، أسعار الطاقة، تطور المداخيل، حجم النفقات، حاجيات التمويل، وغيرها من الفرضيات التي كثيراً ما تتغير مع بداية تنفيذ الميزانية.

الأسعار والمؤشرات والأسواق والمناخ الدولي، تتغير، ومعها تسقط جل الحسابات والفرضيات التي بُنيت عليها الميزانية، ومنها ميزانية 2026 التي يلفت تأخير تقديم تقرير تنفيذها النصف سنوي الانتباه، وهذا ما أكدته جلسة لجنة المالية بمجلس نواب الشعب الاثنين الفارط. جلسة لم تُخصص فقط لبحث أسباب التأخير في عرض تقرير تنفيذ ميزانية الدولة لسنة 2026، بل للنظر في فرضيات وتوجهات ميزانية 2027.

النقاش البرلماني، وإن كان دون حضور أي ممثل عن الحكومة أو وزارة المالية، إلا أنه انتهى إلى نقطة مهمة، وهي أن ميزانية 2026 لم توضع في عالم ثابت لا يتغير ولا تتغير التوقعات فيه، وهذا ما تقره الحكومة نفسها بشكل صريح ومباشر. فهي حينما قدمت توجهاتها الكبرى لمشروع ميزانية 2027، لم تُغفل حالة عدم اليقين الدولية، كما لم يغب عنها الإشارة إلى أنها ستأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجيوسياسية، ومنها الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، وتأثيراتها على الطاقة والمواد الأولية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وهنا، ما تقوله الحكومة والبرلمان، كل على حدة، هو أن فرضيات قانون مالية 2026 لم تعد صالحة، ولكنهما يقفان عند هذه النقطة ولا يتقدمان خطوة إضافية لشرح ماذا فعلا أو سيفعلان لمعالجة هذا الاختلال، خاصة الحكومة التي لم تقدم بعد تقرير تنفيذ ميزانية 2026 للوقوف على الخيارات التي اتخذتها للحد من تداعيات هذا الخلل على التوازنات العامة.

وهنا لا بد من الانتباه إلى أن عدم تقديم التقرير إلى غاية اليوم لا يعني أن هناك خللاً في تنفيذ الميزانية أو إشكالاً. فهذا لا يمكن استنتاجه إلا بتوفر المعطيات، وهي اليوم غير متاحة، وهذا ما يحدث فجوة في المعطيات والمعلومات المهمة، ليس فقط للإدارة، بل للاقتصاد ككل. وبغيابها، يتركنا ذلك أمام أسئلة وحيرة، ولا نعلم إن كانت الحكومة قد غيرت من فرضياتها، لا فقط في علاقة بأسعار الطاقة، بل أيضاً في علاقة بالمداخيل الجبائية وغير الجبائية، وحاجيات التمويل، ونفقات الاستثمار، وهل أعادت توجيه نفقاتها. كل هذه معطيات غائبة.

رغم أن الحكومة ناقشت، وفق بلاغها، في مجلس وزاري انعقد في 4 أوت الفارط، عرضاً حول تنفيذ ميزانية 2026 والفرضيات المتعلقة بالظرف الاقتصادي الوطني والدولي أثناء إعداد ميزانية 2027. وهو ما يعني أنها، على الأقل، تمتلك المعطيات وصورة أولية عن تنفيذ الميزانية الجارية.

لكنها، في المقابل، تقدم إشارات قد يُساء فهمها إن تعلق الأمر بميزانية 2027، التي حددت أهدافها وتضمنت حماية التوازنات المالية ودعم الاستثمار والإنتاج والأمن الغذائي والمائي والطاقي، وهي أهداف تحتاج إلى قاعدة حسابية مستقرة. والقاعدة هنا حتماً ستكون سنة 2026 التي لا نعلم عنها شيئاً.

فما هو بين أيدينا اليوم من معطيات بات قديماً وغير صالح، نظراً إلى أن عدداً لا بأس به من الفرضيات تغير، وهو ما يحتم على الحكومة أن تراجع الأرقام الأصلية الواردة في قانون المالية لتتناسب مع المتغيرات، ثم تحديد إن كانت هذه المتغيرات مؤقتة واستثنائية، أم هي الواقع الجديد للعالم وكيف سيكون خلال 2027؟

وهذا لا يتعلق بعملية محاسباتية، بل بكيفية إدارة شؤون الحكم والدولة في ظل تطورات جيوسياسية واقتصادية تقر بها الحكومة نفسها، لكنها لا تتقدم لتستكمل خطوة ضرورية، وهو الكشف عن قاعدتها لإعداد قانون مالية 2027: كيف نفذت ميزانية 2026، وما حققته منها، وما سقط. تلك هي القاعدة وحلقة الربط بين ميزانيتين.

هذه الحلقة لا تقوم على الأرقام والنسب، بل على الخيارات وقدرة المؤسسات على التعديل وترتيب الأولويات. فهي ستكشف لنا مصدر تعبئة حاجيات التمويل الإضافية: هل قمنا بتحويل نفقات من باب إلى آخر، كأن نقوم بتحويل مخصصات نفقات الاستثمار إلى نفقات الدعم، أم هل قلصنا وتحكمنا في الإنفاق العمومي والاجتماعي؟

ما يقدمه التقرير هنا ليست مبلغ العجز أو كلفة الدعم، بل سياسات الدولة وأولوياتها، لا فقط في علاقة بالسنة المالية التي نقترب من نهايتها، بل بالسنة القادمة.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115