بنسبة النمو في الثلاثي الأول من سنة 2026، الكثير من الأرقام والمعطيات الإحصائية الخام التي تكشف عن واقع اقتصادي لا يُدرك إلا متى أخضعنا المعطيات لقراءات تقاطعية، تقودنا لنقف على حقيقة إنتاج الثروة وتوزيعها في البلاد.
فالمؤشرات التي كشفها البيان تضمنت ثلاثة أرقام قد تكون مفتاح فهم واقعنا اليوم وطبيعة أزمتنا الاقتصادية والاجتماعية: نسبة النمو في الثلاثي الأول 2,6%، والطلب الداخلي 5,2%، ونسبة نمو قطاع البناء 7,1-%، أرقام تعلمنا أن الاقتصاد الذي نما بأكثر من نقطتين ونصف يعيش أزمة عميقة طالت بنية إنتاج الثروة وتوزيعها داخل المجتمع التونسي.
فحينما تعلن الإحصائيات أن الاقتصاد حقق نموًا إيجابيًا وأن الطلب الداخلي ارتفع بأكثر من خمس نقاط، ولكن قطاع البناء شهد تراجعًا بأكثر من 10 نقاط، فإن ما يقال صراحة هو أننا أمام دورة اقتصادية لا تنتج الثروة ولا تراكمها، وأن التحسن المسجل في المؤشرات مرده الأساسي هو الاستهلاك الدفاعي الذي لجأ إليه التونسيون جراء الضغط الاقتصادي الذي دفعهم إلى إنفاق موجّه نحو الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
هذا النمط من الاستهلاك، الذي يصبح فيه سلوك الأسر والأفراد دفاعيًا هدفه مقاومة التدهور الاجتماعي في ظل التضخم، وضعف الأجور، وارتفاع كلفة المعيشة، يعدّل السلوك الاستهلاكي ليكون انتقائيًا يركز على الحاجيات الأساسية مثل الغذاء والسكن والطاقة، مقابل تقليص الإنفاق على الترفيه أو الاستثمار الأسري طويل المدى. ويصبح مؤشرًا على الهشاشة إن بات سلوكًا تتبعه الطبقة الوسطى، ودليلًا على خلل الحركية الاقتصادية التي يصبح فيها الإنفاق موجّهًا للحفاظ على التوازن الاجتماعي الأدنى، لا نحو التوسع أو تحسين شروط العيش أو امتلاك مسكن أو الاستثمار العقاري.
وما يؤكد هذا النمط هو تراجع مؤشرات قطاع البناء الذي يعكس بطرق عدة الحالة الاجتماعية والمالية للدولة والمجتمع على حد سواء، فهو القطاع الذي يعكس النمو القوي والمستدام من خلال تحسن قدرة الأسر والأفراد وانتقالهم من مستهلكين إلى فاعلين في الدورة الاستثمارية. ففي الاقتصاديات التي تنمو وتتوسع وتراكم الثروة، يكون قطاع البناء أول مظهر من مظاهر هذا النمو الذي يترجم إلى امتلاك الطبقة الوسطى القدرة على التملك والاستثمار: مساكن جديدة، مشاريع، أحياء، بنية تحتية، وغيرها. وفي المقابل يعكس تراجعه، أي قطاع البناء، صورة مغايرة.
لكن في وضعنا الراهن اليوم نحن أمام مفارقة تتمثل في تزامن نمو إيجابي وارتفاع الطلب الداخلي مع نمو سلبي لقطاع البناء، بما يقدم لنا صورة أولية عن طبيعة الثروة في تونس وكيفية تداولها في السوق، والتغير الذي يتمثل في أن الثروة التي تُنتج لا تتحول إلى أصول اجتماعية أو إنتاجية، بل تُستنزف في الاستهلاك السريع ومحدود الأثر التنموي الذي لا يستفيد منه التونسيون، خاصة الطبقة الوسطى منهم.
هذه الطبقة التي تكشف المؤشرات الإحصائية عن هشاشتها اليوم وعدم قدرتها على التملك، بعد أن كانت تاريخيًا ركيزة الاستقرار الاقتصادي في تونس، باتت اليوم تنفق من أجل البقاء، وهذا أوضح التعبيرات عن انحسار الأفق الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
والأزمة التي يعيشها قطاع البناء والسكن هي الوجه الآخر لأزمة الطبقة الوسطى في اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج.