على وقع الحرب الصهيو أمريكية على ايران: تونس والعقل الاستراتيجي

يمّر اليوم شهران ونصف على بداية الاعتداء الصهيو أمريكي

على ايران، النصف الأول لهذه المدة كانت السيادة فيها للغة السلاح والحرب الجوية غير المتناظرة والنصف الثاني مفاوضات وتهديدات واغلاق شبه كلي لمضيق هرمز أحد الشرايين الأساسية لتجارة النفط في العالم..

لا شيء ينبئ عن نهاية سريعة لهذه الحرب/ المفاوضات وقد يعود الاشتباك العسكري لفترة أخرى مع محاولات لارغام ايران على تخفيف خناقها على المضيق، ولكن العالم بأسره إزاء أزمة استثنائية قد تغيّر بعض معادلات الشرق الأوسط أعقد منطقة في العالم منذ ما يزيد عن القرن..

أثار هذه الحرب/الأزمة قد مست كل بلدان العالم بدءا بارتفاع هام لأسعار البترول فمن 73 دولار يوم 27 فيفري الفارط شارف سعر البرنت يوم أمس 110 دولار أي بزيادة 50 ٪ في شهرين ونصف فقط، كما بدأت حركة الطيران العالمي في اضطراب.. رحلات ألغيت وحجوزات تعطلت وأسعار التهبت، وتأثير هذه الأزمة سيشمل مختلف النشاطات الاقتصادية في لعالم فالطاقة محرار كل شيء والمحروقات فيها دور مركزي رغم الطاقة النووية والطاقات النظيفة.

والسؤال - اللعين - الذي يخامرنا في كل مرة أين نحن من كل هذا؟ ما هو تحليلنا لما يجري في العالم اليوم؟ وما هي الدروس المستفادة والتعديلات الضرورية؟ وكيف نحطاط ونتحوط من الآثار السلبية الحاصلة اليوم والمحتملة غدا؟؟

في الحقيقة نحن التونسيين لا نعلم شيئا عن كل هذا ولكن في ذات الوقت لا توجد مؤشرات مادية تدل أن السلطات العمومية بصدد التفكير والاستعداد لهذه التأثيرات والتحولات..

لقد تعودنا في تونس أن نتعامل مع معطيات الظرف العالمي عند حصولها ولكن إلى حدّ الآن لا قدرة لنا على استباقها ولا يبدو كذلك أننا امتلكنا القدرة على وضع سيناريوهات لتطور الأزمات من كل صنف..

يعلم القاصي والداني في مختلف أرجاء المعمورة أنه من مخلفات طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 أن تشن اسرائيل حربا على ايران... بدأتها بلبنان ثم استدرجت أمريكا في الصائفة الفارطة وها هي تعيد الكرة يوم 28 فيفري الفارط بطريقة أكثر دمارا وغطرسة..

استباق هذا الأمر لا يستوجب تخصصا أكاديميا أو اطلاعا على التقارير السرية للمخابرات.. ولكن السؤال الأهم لكل بلد هو: ما الذي يمكن أن يحدث لو شنت هذه الحرب؟ ما الذي قد يتغيّر في المنطقة؟ وما الذي قد يتغيّر في العالم! وهل من مصلحتي كبلد – أيا كان هذا البلد- أن أتموقع أم أن ألزم الحياد؟ وما العمل عندما تتضرر مصالحي الحيوية؟

قد يرجع البعض غياب هذا العقل الاستراتيجي للدولة للنزعة الفردانية للحكم اليوم أو لغياب التداول الديمقراطي والانتفاء شبه الكلي للفضاء العمومي اليوم.. كل هذا يؤثر ولا شكّ ولكننا نخطئ لو حصرنا المسألة في هذا البعد فقط لأن التجربة التونسية تبيّن لنا خطأ هذا الاعتقاد.

لقد كان للدولة التونسية عقل استراتيجي في ستينات وسبعينات القرن الماضي رغم أن النظام السياسي كان يتميز بنوع من التسلطية الأبوية (autoritarisme paternaliste) يصل إلى حدّ عبادة الشخصية، كما فقدت الدولة عقلها الاستراتيجي في عشرية الانتقال الديمقراطي رغم وجود فضاء عمومي حيوي..

ويخطئ كذلك من يعتقد أن الفضل في وجود عقل استراتيجي للدولة يعود إلى عبقرية بورقيبة فقط..إذ الجوهري في هذا العقل الاستراتيجي على امتداد عقدين من الزمن لا يعود إلى الزعيم الراحل بل إلى النخب الحاكمة آنذاك بداية مع أحمد بن صالح ثمّ الهادي نويرة..

وعلى كل حال المسألة لا تتعلق بعبقرية الأفراد بل بمنظومة تسمح – أو لا تسمح- ببروز عقل استراتيجي..

في الستينات والسبعينات كنا نعيش تحت نظام الحزب الواحد والزعيم الواحد ولا شكّ ولكن الدولة كانت تستقطب جلّ الذكاء الذي ينتجه المجتمع..تستقطبه داخل مؤسساتها التنفيذية وتستقطبه أيضا داخل فضاءات البحوث العلمية.. تستقطب الذكاء حتى عندما يكون معارضا وليس مسبحا بحمد الزعيم الأوحد..

كانت أهم كفاءات البلد تشتغل داخل مؤسسات الدولة بأصنافها وأنواعها وهذا ما خلق نوعا من العقل الجماعي متعدد الاختصاصات ولكن يحدوه عزم واحد: النهوض بالبلاد..

وعندما انكمشت الدولة حول ذاتها وأصبحت طاردة في البداية للذكاء المختلف ثمّ للذكاء فقدت هذه الكتلة الضرورية لإنتاج العقل الاستراتيجي واكتفت بداية بتسيير اليومي بنوع من الاقتدار التقني..ثمّ تلاشى بدوره هذا الاقتدار التقني على امتداد العقدين الأخيرين..

والديمقراطية لا تتفوق على الاستبداد إلا عندما تكون قدرتها الإدماجية لذكاء المجتمع أوسع وأعم، أما إن كانت طاردة له وغير مستعدة لاستقطابه فقد تضعف وتتلاشى، وهذا بعض ما حصل لدينا اثر عشرية الانتقال الديمقراطي..

في المحصلة نحن نعيش على وقع عولمة عنيفة تتحول فيها التوازنات القديمة بسرعة فائقة وكل ذلك دون عقل استراتيجي يستشرف ممكنات الحاضر والمستقبل للاستفادة منها

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115