فقد يكون أول ما يتبادر إلى الذهن هو «الركود السياسي»، ركود لم يُكسر رغم تتالي الأحداث خلال الأشهر الأخيرة، التي مرّت دون أن تُحدث أثرا يُذكر في الفضاء العام، أو أحدثت أثرا ظرفيا ومحدودا. بما يجعل المشهد أقرب إلى حالة انكماش بنيوي للمجال السياسي، من أبرز تجلياته ضعف الاستجابة لدعوات الاحتجاج ضد قرار تجميد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حيث بالكاد شارك العشرات.
هذا الانكماش، الذي قد يكون أكثر تعبير لافت للانتباه عنه غياب الشارع، وتراجع الزخم والمبادرات والتنافس السياسي وحيوية النقاشات، هو نتيجة تقاطع ثلاثة مسارات: نهج السلطة الحالي، عجز المعارضة، وتآكل ثقة قطاعات واسعة من التونسيين في السياسة كفعل جماعي قادر على التغيير. وهي مسارات قادت إلى تراجع عميق وممنهج في حركية النظام السياسي التونسي الراهن، الذي لا يبدو أنه يعاني من ركود مؤقت، بل هو في طور تحوّل هيكلي يمسّ أسس الفعل السياسي ذاته، ليصبح المشهد أقل تنوعا، وأقل تنافسية، وأضعف قدرة على إنتاج البدائل والسياسات في ظل تنامي الإحباط.
فما نحن إزاءه اليوم، وما يعيشه الفاعلون السياسيون، سلطة ومعارضة، أفرادا وتنظيمات، ليس مجرد أزمة أداء، بل هو نتيجة مسار أحادي أعاد تشكيل المجال السياسي وحدود الممكن فيه، فأنتج عزوفا متزايدا لدى شرائح واسعة من التونسيين عن الاهتمام والمساهمة في الشأن العام، تتآكل معه الثقة في جدوى الفعل السياسي، الذي لم يعد يُرى كأفق فعلي للتغيير.
هذا العزوف ليس وليد اليوم، بل هو واقع عاشه التونسيون خلال الاستحقاقات الانتخابية الثلاثة، وخلال كل الدعوات إلى التظاهر، سواء أطلقتها المعارضة أو أنصار السلطة. فنسب المشاركة، سواء في الانتخابات أو التظاهر، كشفت عن انحسار الاهتمام والمساهمة في الفعل السياسي من قبل التونسيين بوتيرة متصاعدة وغير مسبوقة، مقابل تكرر الاحتجاجات العفوية/غير المؤطرة، وتسارع وتيرة تكرارها مع سرعة أفولها، رغم حدّتها في بعض الجهات، من بينها تحرك قابس.
هذه هي سمات المجال السياسي الراهن في تونس: انكماش طال الثلاثي الفاعل فيه، السلطة، والمعارضة، والشارع، والتوازن بينهم. أولهم السلطة، التي وإن كانت في ظاهرها تتمتع بالأفضلية وتهيمن على المجال السياسي وتتقدم في تحقيق مسعاها وتوسيع مجالها عبر أدوات السيطرة المباشرة وآليات قانونية وتنظيمية ورمزية وإعلامية تعيد توجيه النقاش العام وتضبط سقفه، وتنتهج تكتيك تجزئة الغضب وساحاته والعمل على استيعابه والرهان على الوقت لتآكله، إلا أنها لم تُنتج استقرارا، بقدر ما خفّضت منسوب السياسة إلى الحد الأدنى، وهو ما يرفع من حدة التوترات الكامنة التي قد تنفجر في أية لحظة في الهوامش الأقل قابلية للضبط، أي في الأحياء الشعبية التي يتنامى فيها الغضب في ظل غياب اليقين بشأن المستقبل.
هذه الأحياء، التي تقبع على هامش المجال السياسي، تتأثر به وتؤثر فيه بطريقتها الخاصة، تمثل جزءا من القاعدة الاجتماعية الاحتجاجية التونسية، التي، وإن انخفض منسوب ثقتها في السلطة، إلا أنها لم تلتحق أو تلتق مع خصومها، أي معارضي السلطة، الذين يمكن توزيعهم إلى مجموعتين رئيسيتين: فاعلين سياسيين، وفاعلين حقوقيين واجتماعيين.
فمعارضو السلطة، من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، فقدوا قدرتهم على كسب هذه الأحياء وحشدها، إما لكونهم ما يزالون أسرى صراعات ما قبل 2021، أو لتشتت تحركاتهم وخطابهم، وعدم قدرة المنظمات، لأسباب عدة (بعضها موضوعي)، على حشد قواعدها التقليدية في تحركاتها الاحتجاجية لإحداث أثر تراكمي يمكنه أن يستقطب تدريجيا الفاعل الاحتجاجي الأبرز في المشهد التونسي، وهو الطبقة الوسطى الصغرى والشباب.
فهذا الفاعل، تاريخيا، هو عنصر التوازن في الحياة السياسية التونسية، وهو الخزان الحيوي للاحتجاج، والقوة التي تعيد فتح المجال السياسي كلما انغلق. من الحوض المنجمي إلى لحظة 2021، كانت هذه الشرائح هي التي تسمح بتحوّل التوتر الاجتماعي إلى فعل سياسي، وتولد زخما يفرض إعادة التوازن في المشهد.
فاعل انسحب اليوم من المعادلة تدريجيا، لا لكونه راضيا أو داعما لخيارات السلطة، بل لتحول علاقته بالسياسة ومجالها. فهذه الفئات، التي لم تعد ترى نفسها كتلة اجتماعية متماسكة، تشظّت إلى أفراد موزعين داخل هشاشة اقتصادية وضغط يومي، ولّد لديها سخطا وغضبا يُعاد توجيهه بعيدا عن القنوات السياسية. حيث تتراكم عوامل التوتر ويتراجع الدعم للسلطة، مما يوفر نظريا بيئة مثلى، لم تنجح المعارضة في اختراقها نظرا لخطابها المنفصل عن الأولويات اليومية لهذه القاعدة الاحتجاجية.
هذا هو المشهد اليوم في تونس. ركود/انكماش أنتج استقرارا هشا فوق توترات كامنة وتوازن مؤقت لا يعمل الى متى يمكن أن يستمر قبل الانفجار الذي قد يتخذ أشكال غير قابلة للاحتواء أو التنبؤ