في انتظار الاعلان الرسمي عن زيادة في الأجور: تثبيت الاستقرار وتعميق العجز

يبدو ان الاعلان الرسمي عن تفاصيل زيادة الاجور

في القطاع العمومي والخاص، باتت مسألة ساعات معدودات، فقد سبق وأقر اجتماع مجلس الوزراء حزمة من النصوص الترتيبية الخاصة بالترفيع في الاجور وجرايات التقاعد اول امس الثلاثاء في انتظار بقية التفاصيل التقنية المتعلقة بالنسب والجدولة والكلفة المالية.

خطوة نسبت الحكومة قرار اتخاذها الى رئيس الجمهورية الذي يستحضر في البلاغ الخاص بالمجلس الوزاري رؤيته للدولة الاجتماعية التي من واجبها تكريس العدالة الاجتماعية والاستقرار الاجتماعي وتحمي المقدرة الشرائية للمواطنين، وان كان ذلك على حساب توازن ماليتها العمومية وهوامش الانفاق الطارئ للحكومة.

وتنضبط بذلك الحكومة للتوجه العام الذي رسمه الرئيس منذ اسابيع عدة، واعاد التذكير به في لقائه مع رئيسة الحكومة ووفد من الوزراء قبل يوم الاثنين الفارط، حيث تكررت الاشارات الى مسألة زيادة الاجور بما ثبت انطباعا بأن الملف لا ينظر اليه على انه تفصيل تقني بل توجه سياسي عام يسعى الى تثبيت معادلة جديدة هدفها ترسيخ الاستقرار الاجتماعي.

معادلة سبق وان اعلن عناصرها الرئيس في خطاب 6 افريل الجاري، الذي اكد ان الاولوية هي حماية الحقوق الاجتماعية للتونسيين، من ذلك الزيادة في الاجور ونفقات الدعم واستمرارية الخدمات العمومية، في سياق تتفاقم فيه مخاطر اختلال توازن المالية العمومية وتأثر الانفاق العمومي بتداعيات الحرب الامريكية الايرانية ومصيرها الذي لا يزال غامضا ومعلقا.

حرب يبدو ان تداعياتها الاقتصادية لا تغيب عن العقل المسير لشؤون الدولة، الذي يدرك حجم المخاطر المرتفعة وتقلبات اسواق الطاقة والمواد الاساسية واضطراب سلاسل الامداد على التوازنات المالية في تونس، ويدرك ضيق هامش المناورة وقدرة الحكومة على الانفاق او تعبئة موارد مالية للنفقات الطارئة او للوفاء بتعهداتها المبرمجة في قانون المالية. ولكن رغم ذلك يتخذ خيار توسيع الانفاق والمخاطرة بارتفاع العجز او تراجع نسبة تنفيذ الميزانية.

فاللافت في هذه الخطوة التي تحمل عدة دلالات سياسية، هو ان التحول في آليات اشتغال منظومة القرار العمومي، اذ ان هذا التوجه (اي زيادة الاجور في سياق دولي تقلص فيه الحكومات الانفاق العمومي وتتجه الى التقشف بهدف احتواء تداعيات الحرب على اقتصادياتها، توسع تونس من انفاقها العمومي) يوحي بأن المحدد فيه سياسي، وهذا يسمح بالنظر الى الخطوة على انها محاولة تثبيت شرعية السلطة من بوابة الاثر الاجتماعي المباشر، اي الانتقال من منطق الشرعية الدستورية الانتخابية والمؤسساتية الى منطق شرعية النتائج والمنجز الاجتماعي.

فالسلطة هنا وكأنها تقر بان قياس نجاحها وقدرتها على الانجاز يرتبط بمدى نجاحها في الحد من تآكل القدرة الشرائية وضمان مستوى معيشي مقبول وحماية القدرة الشرائية للفئات الواسعة، وان كان ثمن ذلك ضغطا على المالية العمومية التي تعاني من اختلال توازنها في ظل محدودية موارد تمويلها وتزايد نفقاتها الالزامية.

اي ان قرار الزيادة، في انتظار اتضاح تفاصيله التقنية، ورغم اثره وطابعه الاجتماعي الواضح، يثير اشكالا بنيويا على مستوى التوازنات المالية. فاقرار زيادات في الاجور في سياق اقتصادي تتشابك فيه مخاوف من ركود الاقتصاد العالمي مع محدودية النمو وثقل عجز الميزانية، يجعل المالية العمومية امام ضغط مزدوج، تقلبات الاسعار وسلاسل الامداد وعدم يقين في بيئة اقتصادية دولية غير مستقرة اصلا، وهشاشة النمو والاقتصاد التونسي التي قد لا تمكن السلطة من تمويل سياساتها الباحثة عن تثبيت الاستقرار الاجتماعي عبر ادوات مباشرة وسريعة الاثر.

وتزداد تعقيدات هذا الخيار حين يوضع في سياق اعم، اذ ان الزيادة في الاجور تنطوي على مخاطر مالية واضحة، فالترفيع في الكتلة الاجرية دون نمو في الانتاج او في الموارد الجبائية قد يؤدي الى تعميق عجز الميزانية، ويحد من قدرة الدولة على الاستثمار او على امتصاص الصدمات الخارجية.

تعقيدات لا يبدو ان السلطة تجهلها، ولكن يبدو انها تراهن على تجاوزها بشكل ما، هذا ما سنعرفه في المرحلة القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115