ملكية مؤسسة البث أو الطباعة، هل هي ملك عمومي أم خاص، وكأن ما يضفى هذه الصفة هو طبيعة المالك أو جهة الإشراف. والحال أن ما يميز الإعلام العمومي هو طبيعة علاقته بالجمهور نفسه وبالدور الذي يقدمه، إذ هو مرفق عام مملوك للمجتمع، تديره مؤسسات الدولة باسم المواطنين وخدمة مصالحهم.
الإعلام كمرفق عمومي له وظيفة أساسية، وهي خدمة الجمهور اي تمكينه من حقه في المعلومة والمعرفة. فالجمهور رغم تباينه إلى فئات وأفراد، توحّده صفة المواطنة التي تسقط عنه موقع المتلقي السلبي وتمنحه صفة صاحب الحق في الوصول إلى المعلومات والاطلاع على الوقائع والأحداث التي تؤثر على حياته اليومية ومستقبله او تمس بشروط العيش المشترك والعقد الاجتماعي.
هذا الدور في الأخبار ونقل المعلومات، المناط بالإعلام العمومي، هو ما يجعله يحقق شرط الدور الثاني، وهو أن يكون فضاء رمزي للنقاش العمومي، للتداول في القضايا الكبرى من سياسات عمومية وخيارات استراتيجية وحقوق وحريات . فضاء لا يعكس صوت السلطة وينقل تصورها فقط، بل يحمي التعددية واختلاف وجهات النظر. بذلك، لا يكون الإعلام العمومي جهازًا في خدمة السلطة، بل أداة في خدمة الصالح العام، وهو ما يؤسس لوظيفته الثالثةوهي الرقابة.
هذا المفهوم وهذه الأدوار –نظريا– تبين لنا أن الإعلام العمومي ليس مفهوما يختزل في جهاز البث، سواء بث أخبار أو برامج ترفيهية، كما باتت توحي به التوصيفات في الخطاب الرسمي ، الذي يحجب عن الإعلام العمومي أهم ميزاته، وهي كونه ساحة وفضاء عمومي للنقاش الديمقراطي وجهازا للرقابة باسم المصلحة العامة، عبر التدخل في الخط التحريري وانتقاد الخطاب الإعلامي.
حيث تتدخل السلطة بشكل متكرر دون تقديم تصور محدد المعالم للإعلام ولا لخطابه الذي تريده، فهي تقتصر على الانتقاد والمطالبة بلعب دوره الوطني، دون وضوح كاف يمنح القائمين على الإعلام المملوك للدولة القدرة على معرفة ما هو مطلوب منهم من قبل السلطة. وهذا برز في مضمون هذه الوسائل الإعلامية، وعلى رأسها التلفزة الوطنية التي خصّت بانتقادات حادة من قبل رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة.
انتقادات وجدت طريقها إلى غرف الأخبار في التلفزة الوطنية، التي –وتحت ضغط الخطاب الرسمي– تخلّت عن القاعدة البسيطة والواضحة في إنتاج نشرات الأخبار في الإعلام العمومي، وهي أن الأولوية لما يهمّ الجمهور ويخدمهم لا لما يهمّ السلطة ويخدمها.
هذا التخلي لم يكن نتيجة تعليمات مباشرة حملت تصور واضحا، فالسلطة لا تمتلك تصورا لما يجب أن يقال، وكيف يقال، ومتى يقال، ليس لأنها لا ترغب، بل لأنها لا تمتلك ذلك التصور.
ولكن هذا لم يحل دون أن تؤثر في الخط التحريري وفي سلّم ترتيب الأخبار وغيرها من التفاصيل التقنية للمهنة، إذ يبدو أن السؤال الشاغل للقائمين على الإعلام العمومي اليوم هو، كيف يجب أن يبدو ترتيب الأخبار بما لا يتعارض مع السياق السياسي العام الذي ترسمه السلطة؟
وهذا أنتج أثرا عميقا داخل الممارسة الصحفية.
فالمتابع للنشرة الرئيسية للقناة الوطنية الأولى سيلاحظ أن ترتيب الأخبار شهد تغيرا منذ خطاب الرئيس في 6 أفريل، وأن المحدد لهذا الترتيب الجديد ليس معايير الأهمية الخبرية، بل معايير أخرى يبدو أن المحدد فيها هو التقدير الاستباقي لما يمكن أن يُعتبر مناسبًا أو غير مناسب وفق المزاج السياسي للسلطة، التي لم تُعبّر بشكل صريح بعد عن مضمون الخطاب الإعلامي الذي تريده.
وهو ما جعل غرفة الأخبار وباقي أقسام مؤسسات الإعلام المملوك للدولة في حيرة، كيف يمكن أن تنال رضا سلطة لا تقدم تصوراتها بشكل واضح ولا تحدد الدور الذي تريد الإعلام أن يلعبه؟ هل يرافق السياسات العامة؟ أم يفسرها؟ أم يسوّق للإنجازات والنجاحات؟ حيرة نشأت عن الفراغ التأويلي الذي تركته السلطة، وتم ملؤه تدريجيا عبر محاولات للتوقع، قادت في الأيام الأخيرة إلى أن تكون أخبار متفرقة أو نجاحات فردية في الرياضة والعلوم خبرا رئيسيا في النشرة، بل تترقى لتكون الخبر الافتتاحي، إن لم يكن هناك نشاط رئاسي.
هذا النوع من التحرير القائم على توقع ما قد ترغب السلطة في سماعه، أنتج ممارسات صحفية تبحث عن الانسجام مع الخطاب السياسي الرسمي، وهو ما ينعكس بوضوح في بنية النشرة الإخبارية، وخاصة في ترتيب الأخبار وطبيعتها. إذ عوضا عن أن يكون الترتيب خاضعا لقيم خبرية، بات امتدادا لسردية سياسية، يعاد إنتاجها داخل قالب خبري، يسوّق لسياسات الدولة دون مساءلتها، ويبث نجاحات فردية كنموذج ومثال.
واقع يجعل من غرفة الأخبار وإن لم تكن تعمل تحت وصاية وتوجيه مباشر من السلطة. فانها تعمل ضمن حدود غير مرئية من التوقعات السياسية، التي تحولت تدريجيا إلى بوصلة تحريرية. بوصلة تعيد ترتيب الواقع وفق إيقاع خطاب واحد.