2026 الصادر عن البنك المركزي نهاية الأسبوع المنقضي على أنه أحد تلك المؤشرات الاقتصادية التي قد يخدم ظاهرها السردية الرسمية الساعية إلى تثبيت الانطباع بالاستقرار واستعداد الدولة ومؤسساتها لكل احتمال، لكنه وبمجرد البحث في عمق دلالاتها يكشف عن واقع الاختلالات العميقة لا فقط في المالية العمومية بل في تحديد وظيفة الدولة من حيث قدرتها على إدارة مواردها.
إذ إن المنشور أعلن عن تحويل صريح في سياسات المالية العمومية نحو إدارة أكثر تشددا للطلب على العملة الأجنبية، سواء من خلال تشديد شروط تمويل الواردات وتحديد قائمة بالسلع والبضائع غير ذات الأولوية، إضافة إلى تعزيز الرقابة على العمليات التجارية الخارجية، وهو تدخل يهدف إلى إعادة توجيه التمويلات نحو القطاعات الحيوية دون غيرها من وجهة نظر المؤسسة النقدية الأولى في البلاد.
توجه يعكس أن الأولوية اليوم باتت هي حماية التوازنات المالية الخارجية في ظل محدودية هوامش المناورة النقدية والمالية، حتى وإن كان ذلك على حساب النشاط الاقتصادي المنتج، وهو ما يعني صراحة إعلان دخول الاقتصاد التونسي مرحلة وسيطة ما بين أزمته الحالية ومرحلة إدارة الندرة، مرحلة يعاد فيها هيكلة توزيع السيولة لا فقط بالعملة الصعبة بل بالدينار أيضا بما يحقق أولوية تمويل حاجيات الدولة.
هذا المنشور الذي لا يرتقي ليكون حظرا قانونيا مباشرا لاستيراد السلع غير ذات الأولوية بقدر ما يمثل تحويل آلية تنظيم التمويل إلى أداة انتقائية يسمح فيها للبعض بالاستيراد شرط توفر التمويل الذاتي ويمنع عن البعض، بما يكشف أن المنشور يحد من القدرة على النفاذ إلى التمويل أكثر من كونه يحظر الاستيراد، وهو ما يدفع بحزمة من الأسئلة إلى السطح. خاصة وأن المشهد في ظاهره مطمئن، وفق بيانات البنك المركزي ذاته التي تكشف أن الاحتياطي من العملة الأجنبية يناهز 25 مليار دينار، ما يعادل 107 يوم توريد.
رقم كفيل، نظريا، بطمأنة السوق وضمان حركية اقتصادية، إضافة إلى ترسيخ سردية الصمود الاقتصادي والنجاح، وهو ما يجعل من خطوة البنك المركزي تقييد الاستيراد في ظل توفر العملة الأجنبية تفسر من قبل البعض على أنها خطوة احترازية لاحتواء التداعيات الاقتصادية والمالية للحرب الأمريكية الصهيونية على إيران. لكن في العمق، الأمر مختلف كليا، فالحرب وتداعياتها الاقتصادية لم تصل بعد إلى مرحلة تستوجب مثل هذه الإجراءات الاحترازية التي قد تصبح مبررة إن طال أمد الحرب، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال أن المشهد مغاير لما يبدو في ظاهره.
فما يعلنه البنك المركزي من مؤشرات تتعلق بالموجودات من العملة الأجنبية ويسوق ككتلة متجانسة قابلة للاستعمال الحر في النشاط الاقتصادي والمالي، يخفي أن هذه الموجودات هي مزيج من موارد مختلفة تشمل الودائع والضمانات والمدخرات الخاصة والأموال المقيدة، وهي موارد غير قابلة للتصرف، وهذا يقودنا إلى حقيقة المشهد وهي أن الوفرة في الاحتياطي هي سيولة غير قابلة للتعبئة الفورية أو مقيدة، مما يعني أن الاحتياطي من النقد الأجنبي القابل للتصرف أقل مما يعلنه البنك المركزي.
والأمر لا يقف عند هذا الحد، فالإشكال الأعمق لا يكمن في مستوى الاحتياطي، بل في آلية تحويله إلى قدرة اقتصادية، وهنا يبرز الخلل الحقيقي. الدينار وليس الدولار أو الأورو، فالمالية العمومية التونسية تعيش منذ سنوات على وقع اختلال هيكلي يتجسد في عجز متراكم، وموارد جبائية محدودة، ونفقات صلبة يصعب تقليصها، مما حول الدولة التونسية إلى مستهلك شره للسيولة الداخلية عبر تمويل حاجياتها من السوق الداخلية سواء عبر الاقتراض من البنوك أو عبر تمويل ديونها بديون جديدة، لتدار الالتزامات بمنطق الأولويات القصوى لا بمنطق الاستدامة، والخطر هنا ليس في تراكم الدين العمومي الداخلي بل في ابتلاع تدريجي للاقتصاد واستنزافه من قبل الدولة لضمان بقائها.
هذا ما يكشفه لنا منشور البنك المركزي الذي لم يصدر للسيطرة على احتياطيات العملة الأجنبية فقط بل لإدارة أزمة مزدوجة: ضغط على جزء من الاحتياطي القابل للتصرف واختلال في التعبئة داخل الاقتصاد، إذ إن ما قام به البنك المركزي التونسي ليس فقط حماية للاحتياطي، بل تقليص قسري للطلب على العملة الأجنبية، وإعادة توجيه السيولة البنكية نحو تمويل الدولة، عبر تقليص هامش تمويل التوريد.
وهنا تتجسد المفارقة: الدولة، وهي تحاول حماية توازناتها المالية، تخلق ندرة داخلية، بما يعلن أن الأزمة لم تعد في نقص الموارد فقط، بل في إدارة الدولة للندرة عبر أدوات مالية، لمنع أزمة مالية داخلية من الانفجار وليس لمعالجة تداعيات العامل الخارجي المتمثل في الحرب التي تمثل هنا عنصر ضغط لا أكثر، يزيد من هشاشة الوضع ويرفع كلفة التوريد، ويسرّع انكشاف الاختلالات، لكنه لا يفسر أصل الأزمة كما أنه ليس سببها الأصلي.
هذه الحرب التي قد تصبح عنصرا من السردية الرسمية يضاف إلى عنصر التآمر الداخلي واللوبيات لتبرير ما هو في جوهره اختلال للمالية العمومية، التي إن كانت متوازنة، بالإضافة إلى أن قنوات التمويل تعمل بشكل طبيعي، كان يمكن للدولة أن تمتص صدمات الحرب ضمن حدود يمكن التحكم فيها. لكن حين نكون في حالة عجز دائم، فإن أي صدمة خارجية تتحول إلى كاشف للأزمة لا إلى سببها.
كل هذا يعتبر هينا أمام الانطباع الذي يترسخ بأن الدولة لم تعد مجرد منظم للاقتصاد، بل أصبحت منافسا يزاحم الفاعلين على الموارد والتمويل، تمتص السيولة، تضعف الاستثمار، تعطل التوريد، وتعيد تشكيل السوق وفق أولوياتها، والأولوية هنا هي للبقاء لا للنمو.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية التي يعلنها المنشور بشكل غير مباشر، وهي أن الدولة التونسية باتت تقترب من مرحلة تبتلع فيها اقتصادها لتبقى واقفة، مرحلة تقتضي أن نجيب عن سؤال: كيف نمنع الدولة من استنزاف اقتصادها باسم حمايته؟