الحرب على إيران: تقاطع الأمن القومي مع لاهوت المسيحية التوراتية

تقدّم الحرب على إيران داخل الخطاب الرسمي الأميركي

بوصفها ضرورة استراتيجية لاحتواء خطر نووي محتمل، غير أنّ ما يتوارى خلف هذه الطبقة هو خطاب غير رسمي يضفي على الحرب بعدا دينيا. هذا البعد الذي يتسرّب عبر التصريحات الجانبية وشهادات صادرة من داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، يكشف عن تناقض بين الدوافع المعلنة للحرب، التي تستند إلى مفردات الردع والأمن القومي، والدوافع غير المعلنة التي تستحضر سرديات الخلاص الإنجيلي وشروط القيامة ومعركة هرمجدون. بما يتشكّل صورة معقدة للصراع تستدعي التفكيك لفهم طبيعته الحقيقية.

تتجلّى الطبقة الأولى من هذا الخطاب في البيانات الصادرة عن أبرز وجوه الإدارة الأميركية، سواء كان الرئيس نفسه أو بعض أبرز رجاله في الملف العسكري. فالتصريحات الرسمية تبدو، في ظاهرها، منضبطة ضمن القاموس الاستراتيجي الأميركي التقليدي، منع الانتشار النووي، حماية الحلفاء، وضبط ميزان القوى الإقليمي، معاقبة النظام على قتل شعبه. غير أنّ هذا الانضباط الظاهري لا يخفي تماما الإشارات التي تكشف عن خلفية أعمق، إذ لم يغفل بعض المسؤولين عن التلميح إلى أن الإدارة ترى أن «الأنظمة المتمسكة بأوهام نبوية إسلامية لا يمكن السماح لها بامتلاك سلاح نووي».

مثل هذا التصريح، الصادر عن وزير الحرب الأمريكي وإن بدا تقنيًا في سياق النقاش حول الانتشار النووي، فانه يكشف في الواقع عن إدخال عنصر ديني في تفسير دوافع منع إيران من امتلاك السلاح النووي، عبر ربط المسألة بطبيعة النظام السياسي الديني. وهنا يتّضح أن الخطاب الرسمي، وإن كان أمنيا في ظاهره، الا انه يخفي في طيّاته طبقة خطابية موازية. فبينما يسوّق الموقف الأميركي ضمن إطار جيوسياسي عقلاني يقدّم الولايات المتحدة كدولة تسعى إلى ضبط التوازنات الإقليمية، فإنّ صانعي القرار أنفسهم ينتمون إلى فضاء فكري وثقافي يعلن بعض رموزه صراحةً انتماءهم إلى التيار الإنجيلي، بما يحمله من سرديات لاهوتية حول الخلاص وعودة المسيح.

وتبرز هذه الطبقة الخطابية بشكل أوضح إذا ما نُظر إلى الخطاب الرسمي باعتباره الطبقة الظاهرة، التي تخفي أسفلها طبقات موازية تصدر عن شخصيات سياسية ودبلوماسية محافظة، من بينها السفير الأميركي لدى الاحتلال ماك هاكابي Mike Huckabee المعروف بخلفيته الإنجيلية الصهيونية. فهذه الشخصيات توظّف مفردات ذات بعد ديني وحضاري عند الحديث عن الاحتلال وعن ايران ودول المنطقة والحرب في سياق خطاب يقدّم الدفاع عن الاحتلال تكليف الاهي وشرط لتحقيق الخلاص.

ورغم أن هذه التصريحات تقدّم غالبًا بوصفها مواقف شخصية لا تعبر رسميا عن سياسة الدولة، فإن تكرارها داخل الفضاء السياسي الأميركي يمنحها وظيفة تأطيرية أوسع. فهي تسهم في رسم صورة للصراع تتجاوز الحسابات الاستراتيجية البحتة، وتقدّمه أحيانا باعتباره مواجهة قيمية أو حضارية.

قد يقال إن هذا التأطير الديني غير الرسمي ليس سوى أداة تعبئة سياسية موجّهة إلى القاعدة الاجتماعية للتيارات القومية المسيحية في الولايات المتحدة، ولا سيما التيار الإنجيلي. غير أن هذه الفرضية تضعف أمام ما كشفته تقارير صحفية استندت إلى مئات الشكاوى التي رفعت عبر Military Religious Freedom Foundation، وهي منظمة أميركية تعنى برصد الانتهاكات الدينية داخل الجيش.

فقد أشار تقرير نشرته صحيفة The Guardian إلى أكثر من مئتي شكوى قدّمها جنود أميركيون تحدثوا فيها عن استخدام بعض القادة العسكريين لغة دينية صريحة داخل الوحدات العسكرية، بل وعن إشارات إلى أن دونالد ترامب «مبعوث من المسيح»، وأن الحرب تندرج ضمن «خطة إلهية».

إذا صحّت هذه الشهادات، فإنها تعني أن الأمر يتجاوز مجرد خطاب تعبوي موجّه إلى الرأي العام، ليشير إلى احتمال تسرب تصور لاهوتي إلى المجال العسكري نفسه. وهذا الاحتمال لا يربك الرواية الرسمية للحرب فحسب، بل يعيد تشكيل صورة الصراع برمّته، إذ ينقلها من إطارها الجيوسياسي إلى أفق حضاري ورمزي أوسع، قد يجعل من الحرب صراعًا ذا أبعاد دينية.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذا لا يعني أن الحرب على إيران قد أُعلنت رسميا بوصفها حربا دينية. فما تزال وثائق الدولة الأميركية ومؤسساتها تتحرك ضمن منطق المصالح الاستراتيجية والنفوذ الدولي. غير أنّ هذا الواقع لا يحجب في المقابل صعود خطاب قومي مسيحي متزايد داخل المجال السياسي الأميركي، تروّج له تيارات إنجيلية صهيونية تسعى إلى إضفاء بعد حضاري على الصراع، عبر تصوير الخصم بوصفه تهديدا وجوديا لا مجرد منافس استراتيجي.

هذا الخطاب الذي يعبر عن رؤية المسيحية التوراتية أو الإنجيلية للعلاقات الدولية انتشر داخل الفضاء السياسي الأميركي. فهذه التيارات التي تمثل أحد أهم مكونات القاعدة الاجتماعية للحزب الجمهوري تبنّت منذ عقود قراءة لاهوتية للتاريخ والسياسة تربط بين أحداث الشرق الأوسط ونبوءات الكتاب المقدس بل ان قطاعات واسعة من الإنجيليين ترى أن الدعم السياسي والعسكري للاحتلال يعدّ جزءا من واجب ديني يمهّد، بحسب هذا التصور، لعودة المسيح في نهاية الزمان.

هذا التصور اللاهوتي، الذي يعرف في الأدبيات الأكاديمية باسم «الصهيونية المسيحية»، يمنح الصراع في المنطقة معنى يتجاوز الحسابات الاستراتيجية التقليدية. فهو يضفي على دعم إسرائيل بعدا عقائديا، ويقدّم المواجهة مع خصومها، ومن بينهم إيران، بوصفها جزءًا من صراع أوسع بين قوى الخير والشر في السردية الإنجيلية .

وهذا يكشف ان الحرب تحاش وقد تشكّلت في خلفيتها فضاءات رمزية يتقاطع فيها السياسي بالعقائدي، حيث يأطر الصراع ويمنحه دلالات دينية وأخلاقية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115