مضيق هرمز في قلب المواجهة: حرب الطاقة بين الهيمنة الأمريكية ونفوذ إيران

دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة

لم تعد فيها مقتصرة على الضربات العسكرية وقواعد الاشتباك التقليدية، بل انتقلت إلى قلب المعادلة الاقتصادية العالمية من بوابة الطاقة، باستهداف كامل سلاسلها، منشآت إنتاج وتكرير وموانئ شحن وصولا إلى تجميد الملاحة في مضيق هرمز، أهم ممر بحري للطاقة، الذي تسعى إيران لإحكام سيطرتها عليه، وإن بنشر الخوف لرفع تكلفة الحرب ضدها.

فمنذ الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران واغتيال أكثر من 40 شخصية قيادية في نظامها على رأسهم المرشد علي خامنئي، برز مضيق هرمز كعنوان فرعي للصراع، ولكنه تدريجيا بات في قلب التصعيدات الأخيرة وما رافقها من تطورات. تصريحات إيران عن الغلق واستهداف السفن التي تبحر في المضيق، ولاحقا إعلان واشنطن عزمها حماية تدفق السلع والنفط عبر تدخل بحري مباشر، عنصران يؤشران للانتقال إلى حرب اقتصادية-طاقية مكتملة الأبعاد.

تمدد الحرب إلى حقل الطاقة يعود بالأساس إلى كون طهران تدرك أن ميزان القوة التقليدي لا يميل لصالحها في مواجهة مفتوحة تقليدية، وأن التفوق الأمريكي الصهيوني الجوي يقيدها ويحد من قدرتها العسكرية. لكن مقابل هذا الضعف تمتلك عنصرا حاسما منحته لها الجغرافيا: ساحل طويل يطل على أهم ممر بحري وهو مضيق هرمز، وقدرات عسكرية تشمل صواريخ بحرية وساحلية ومسيّرات وألغاما بحرية يمكن أن تحقق قدرا كبيرا من الضرر، وهذا يكفي لرفع منسوب المخاطر التي تمنحها القدرة على التأثير في حركة الملاحة، وهو ما يعني أن لها اليد العليا في حرب الطاقة والممرات البحرية.

هذا التفوق سعت منذ الساعات الأولى إلى الاستفادة منه بإعلان الحرس الثوري الإيراني عن تعليق الملاحة في المضيق الرابط بين خليج العرب/الخليج العربي، وبين المحيط، وهذا قاد إلى تعطيل جزئي في حركة المرور سرعان ما تطور وأصبح تعليقا كليا ارتفعت معه تكلفة التأمين، وتصاعدت وتيرة امتناع السفن وشركات الشحن عن المخاطرة بتسليم السلع عبر المضيق، وهذا أدى إلى صدمة في الأسواق وخاصة في سوق الطاقة، وهو ما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى المسارعة بالبحث عن مخرج من أزمة طاقة تهدد العالم والتقليص من آثار امتداد الحرب إلى الجانب الاقتصادي.

فالرهان الأمريكي اليوم هو حماية حرية الملاحة في المضيق وضمان التدفق الحر للطاقة إلى الأسواق العالمية، وهو ما عبر عنه الرئيس ترامب نفسه بأكثر من صيغة صريحة، سواء عبر التدخل والضغط على تكلفة التأمين أو التلويح بحماية سفن الشحن، مما يكشف ضمنيا أيضا أن الإدارة الأمريكية تدرك أن نفوذها البحري في اختبار ضمن سياق عام يتسم بتصدع بنية النظام الدولي.

فهذا المضيق الذي يعبره نحو خُمس النفط المنقول بحرا ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة استراتيجية في شبكة الاعتماد المتبادل بين الخليج وآسيا وأوروبا، وأي اضطراب فيه يتحول فورا إلى سلسلة من التفاعلات الاقتصادية والمالية: تضخم وارتفاع في تكاليف التأمين، وارتباك في سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، إلخ. وهو ما يجعل الدول، خاصة المرتهنة للنفط الخليجي، في وضع حرج ومركب، ويجعلها تحت نفوذ وضغط، وهو ما يعني أن السيطرة، وإن بشكل غير مباشر، على هذا المضيق تمنح أي طرف نفوذا وقدرة على إرباك الاقتصاد العالمي أو ضمان استقراره.

وهنا يصبح مضيق هرمز في قلب الصراع لا في هامشه، فطهران اليوم تراهن على التصعيد المدروس وعلى قدرتها على استهداف المنشآت الطاقية في المنطقة وعلى رفع تكلفة النقل البحري وتعطيله، لترفع كلفة الحرب عليها وتنقل الضرر إلى كافة الخصوم وحلفائهم، وهو ما انتبهت إليه إدارة ترامب خلال اليومين الفارطين بعد أن ركبت أسعار الطاقة موجة الارتفاع وتضرر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فسارعت لتعلن أنها ستستعيد الاستقرار في المضيق وتضمن تدفق السلع بأي ثمن.

والقصد هنا واضح، وهو التهديد بأن أمريكا ستلجأ إلى القوة المفرطة لفتح المضيق وضمان حركة الملاحة فيه، بل وتذهب أكثر من ذلك بالتلويح إلى أنها ستوظف سلاحها البحري وانتشار أساطيلها وقواعدها في الخليج وشبكة حلفائها لاستعادة الاستقرار في المضيق وضمان تدفق سلع الطاقة، وإن لزم الأمر بأن توفر سفنها الحربية حماية لسفن الشحن ومرافقتها أثناء ملاحتها في المضيق.

هنا يتضح أن أمريكا تراهن على تفوقها العسكري كورقة ضمان لاستقرار المنطقة وسوق الطاقة، لكن في الحقيقة هذا التفوق لا يضمن حتى الحد الأدنى من الاستقرار، ولا يمنع غلق المضيق بالكامل، ولا يحول دون استهداف المنشآت النفطية والبنية التحتية المرتبطة بها في دول الخليج، مما يعني أن قدرة إدارة ترامب على ضبط المخاطر والحد منها شبه منعدمة، خاصة إن تعلق الأمر بمضيق هرمز.

فالممر البحري ضيق بطبيعته وعمقه منخفض، مما يجعله فضاء مخاطر عالية بتكلفة منخفضة وأثر كبير في أوقات السلم، أما اليوم وفي زمن الحرب فهو مجال نفوذ إيراني بامتياز، تسيطر عليه بسفنها البحرية الصغيرة وبالألغام والمسيّرات والصواريخ متوسطة وقصيرة المدى وكل أنواع العتاد الذي يمنحها أفضلية، وتجعل من كل عملية مرافقة عسكرية أمريكية لسفن الشحن لا تكتفي فقط بإبطاء حركة الملاحة بل بتوفير أهداف تمنح إيران القدرة على إحداث أثر أكبر في الأسواق. فمع كل حادث أو مواجهة عسكرية في المضيق سترتفع أسعار الطاقة، ومعها سيدخل الاقتصاد العالمي في صدمة، وهنا الأمر لا يعتمد كليا على التفوق العسكري الإيراني في المضيق، بل حتى وإن تمكنت أمريكا من استئناف جزئي لحركة الملاحة فإنها لن تحد من الأثر الاقتصادي الإيراني الخطر.

فهنا جوهر المواجهة اليوم بين إيران والولايات المتحدة لا يقتصر على من يغلق المضيق أو يفتحه، بل في من يستطيع إدارة الكلفة بما يتناسب مع المصالح الكبرى: أمريكا في تثبيت هيمنتها ونفوذها على الممرات البحرية ومنع أي تهديد من أن يصبح واقعا دائما، وإيران التي تسعى إلى فرض منطقة رمادية تجعل الأسواق رهينة التوتر المستمر، وهذا يمنحها نفوذا وقدرة على رفع تكلفة الحرب ضدها.

وفي هذا السياق يتضح جليا أننا أمام حرب ستعيد صياغة قواعد التحكم والتأثير في الاقتصاد العالمي، ففي هذه اللحظة الاستراتيجية يبرز تسابق الفاعلين الإقليميين والدوليين على إدارة ملف الطاقة والسعي إلى دفع المتحاربين إلى التفاوض لمنع الانزلاق إلى حرب تستنزف الجميع دون استثناء.

لحظة ستغير وجه العالم وتوازناته، سواء بتثبيت الولايات المتحدة الأمريكية قوة عالمية مهيمنة على الممرات البحرية، أو إعلان أفول هذه القوة التي فشلت في اختبار إيران في خارطة النفوذ والنظام الدولي. حرب ستحدد ان كانت الهيمنة الامريكية ستتواصل ام ان زمن افولها حان

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115