الرسائل الصريحة والمبطنة، الشرق الاوسط دخل مرحلة جديدة في الصراع الذي يبدو انه انتقل من حرب خاطفة أُريد لها أن تعيد رسم موازين القوة بسرعة لصالح امريكا والاحتلال، الى حرب ممتدة يديرها اليوم الايرانيون بعقل بارد وحسابات واضحة لاستنزاف خصومها عسكريا واقتصاديا وسياسيا.
هذا الخيار الإيراني الذي ذهب بالحرب من ايام معدودة الى أجل مفتوحة بات البيت الأبيض اليوم يقدرها باربعة اسابيع، مع التلميح بان الولايات المتحدة هي من ستحدد امد الحرب، والحال أن ادارة ترامب ووفق ما نشره من قبل على لسان رئيسها كانت تتوقع حربا بأربعة ايام يليها جلوس قادة ايران الجدد على الطاولة للتفاوض.
المخططون الأمريكيون والصهيونيون افترضوا ان حربهم التي استهلت بضربات قوية وخاطفة استهدفت رأس هرم النظام والاذرع العسكرية ستؤدي الى إرباك الدولة ومؤسساتها ونظامها مما يسرع في انهياره او في اسوء الحالات رضوخ ما تبقى من جسمه للمطالب والاملاءات الصهيونية الأمريكية، لكن هذا التقدير لم يتفطن الى ان بنية النظام الإيراني أكثر تعقيدا من ان تختزل في فرد او مجموعة صغيرة، خاصة بعد تجربة حرب الـ12 يوما والدروس التي استخلصتها ايران منها والتي جعلتها تضع خططا اضافية لادارة النظام القائم بدوره على مؤسسات دينية وأمنية ودستورية تتقاطع في ما بينها ضمن شبكة تحالفات داخلية تجعل من الصعب انهيارها.
هذه المؤسسات هي التي ادارت منذ اليوم الأول الحرب ونجحت في ظل الفوضى والارتباك في ترتيب ردها العسكري قبل ان تتضح الصورة بعد اغتيال المرشد وما يعنيه ذلك من مرحلة انتقالية في السلطة تبرز فيها مؤسستان بالأساس، القيادة الثلاثية التي ستحل محل المرشد وتمارس صلاحياته، وهي تضم الرئيس الإيراني، والمؤسسة الثانية ولكنها الاقوى اليوم هي مجلس الأمن القومي الإيراني، غرفة التنسيق العليا بين القرار العسكري والسياسي.
هذه المؤسسة، أي مجلس الأمن، هو أهم مؤسسة فعلية في ايران اليوم ان تعلق الامر بادارة الجانب السياسي الداخلي والامني اي ادارة الحرب، وهذا ما يجعل كلمات رئيسه علي لاريجاني مهمة خاصة حينما أعلن رفض التفاوض مع أمريكا، هذا الرجل المرشح ليكون المرشد القادم والذي له علاقات وتحالفات واسعة وممتدة مع مختلف أذرع النظام ومراكز النفوذ فيه بما فيها الحرس الثوري، وجه رسالته الواضحة والصريحة وهي ان النظام بخير ومتماسك ولن يحتاج للتفاوض.
فهذا النظام وعلى عكس تقديرات الاجهزة الصهيونية والامريكية لم يصب بشلل او انهيار بعد الضربات الاولى بل نجح في اعادة ترتيب المراكز وتماسك اكثر تحت ضغط الخطر الخارجي وصدمة اغتيال المرشد، وهو اليوم يدرك ان هذه الحرب التي اريد لها ان تكون خاطفة وحاسمة منذ بدايتها عبر استهدافات دقيقة رافقتها تصريحات ورسائل ردعية تراهن على إرباك من ظل في القيادة ودفعهم إلى التراجع والذهاب الى التفاوض والقبول بالشروط.
غير أن الرد الإيراني كسر هذا الإيقاع، فتوسيع نطاق الاستهداف، وادخال ساحات بحرية واقليمية في المعادلة، ورفع سقف الخطاب السياسي، كانت كلها خيارات تعلن منها ايران انها تنقل الحرب من الخاطفة الى حرب استنزاف تحتاج لادارتها نفسا طويلا، وتحول الصراع من الداخل الايراني الى كافة المنطقة التي حولتها إلى ساحات صراع، تراهن فيها على الزمن باعتباره اليوم اهم عنصر فاعل في الحرب.
إيران تريد أمد الحرب أن يطول، فذلك يرفع تكلفة استهدافها الى الحدود القصوى السياسية والاقتصادية، فهذه الحرب وفي يومها الثالث الذي شهد استهداف منشآت نفطية في دول الخليج بالاضافة الى تعليق الملاحة في مضيق هرمز دفع بأسعار النفط والغاز الى الارتفاع الجنوني بنسب ارتفاع يومية غير معهودة، مثال ذلك ارتفاع سعر الغاز المسال في اوروبا بخمسين بالمئة مباشرة بعد إعلان قطر تعليق نشاط منشآتها النفطية بعد تعرضها للاستهداف من الإيرانيين.
ولم يقتصر الامر على منشآت قطر بل استهدف اهم المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية والكويت مما يكشف جيدا ان ايران اختارت ان تدفع بسوق الطاقة الى ازمة ثمنا لاستهدافها وهذا وفق حساباتها الاستراتيجية، التي تقوم على ان كل يوم إضافي في الحرب ضدها هو كلفة مالية وسياسية متزايدة على واشنطن والعالم المثقل بالأزمات وليس على استعداد لتحمل حرب مفتوحة في اهم منطقة منتجة ومصدرة للنفط وأي اضطراب طويل الأمد فيها ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.
كما ان ايران تراهن على ان طول امد الحرب وما يعنيه من تكاليف مالية مرتفعة قد يدفع بالداخل الأمريكي الى التململ وهو يتجه الى انتخابات نصفية، اي ان ايران تراهن على التكلفة المالية للحرب وانعكاسها السياسي على الإدارة الأمريكية التي تقدر إيران انها لا تحسن ادارة الضغط خاصة ان تعلق الامر بنقص الذخائر والاسلحة وضعف نسق التصنيع الذي يجعل اول عدو لها هو الوقت الذي يمكنه ان يهزمها.
على العكس من إيران التي اعتادت العمل تحت ضغط العقوبات الاقتصادية والندرة هيكلة جزء من اقتصادها ليصمد في وجه الازمات والحصار، يساعد البنية الاقتصادية والاجتماعية على التحمل ودعم النظام في حربه ولكن ليس لوقت طويل، اذ ان حرب استنزاف طويلة الأمد سترهق في النهاية الداخل الإيراني.
هذه هي الحرب التي لا ينتصر فيها اول من اطلق رصاصة بل من يحسن إدارتها وادارة زمنها