الاقتصاد التونسي من أجل إقلاع حقيقي: نمو بـ6 ٪ سنويا ضرورة لا خيار

سجّل الاقتصاد التونسي خلال سنة 2025 نسبة نمو سنوي

بـ2.5 ٪ وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الصادرة يوم الاثنين الفارط. نسبة تبدو في ظاهرها مؤشرا على استعادة نسق إيجابي للنمو بعد سنوات من التعثر، غير أنّ تفكيكها يكشف عن تعاف محدود لا يرقى إلى مستوى التحول الهيكلي القادر على تغيير واقع البلاد ومعاش التونسيين.

فما تكشفه المعطيات التي قدّمها المعهد يبيّن أن النمو المسجّل محكوم بإيقاع ضعيف ومتذبذب، لا يمكنه أن يقود إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية وتجاوز خللها البنيوي، الذي يتضح من خلال البطالة المرتفعة، وضعف نسق الاستثمار الخاص، إلى جانب استمرار الضغوط على المالية العمومية وارتفاع كلفة التمويل.

والمعطيات الكمية التي قدّمها معهد الإحصاء، عند تفكيكها، تكشف أن القطاعات التي حققت القيمة المضافة لم تشهد تحولًا نوعيًا في توزيعها؛ إذ يستمر تحقيقها من خلال أنشطة محدودة الإنتاجية والقيمة المضافة، كالقطاع الفلاحي وقطاع الخدمات، اللذين رغم مساهمتهما في النمو، فإن أرقامهُما لم تنعكس مباشرة على خلق فرص العمل المستدامة.

وهو ما تبينه المعطيات المنشورة من قبل المعهد بخصوص البطالة ونسبتها؛ فرغم التراجع الطفيف المسجل، إذ انخفضت إلى 15.2 ٪، فإن هذا الانخفاض كان مدفوعا بتراجع عدد السكان الناشطين، لا بالنمو الاقتصادي الذي لم يقلص من نسبة البطالة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا. كما أن نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي ظلت دون 18 نقطة، وهو مستوى يعكس محدودية حركة رأس المال في الاقتصاد.

هذه المعطيات، عند تفكيكها، توضح أن الاقتصاد التونسي، وإن حقق نسبة نمو إيجابية، لم يحقق أي تغيير في نسق النمو، ولم يحقق القفزة التي تسمح له بتجاوز منطق الاستقرار المحاسباتي في اتجاه ديناميكية توسعية قادرة على معالجة الاختلالات البنيوية. فالاستمرار في تحقيق نمو بالمعدلات الحالية يعني تثبيت وضع قائم وتكريس استمرار الأزمة، وإن في صيغة أقل حدّة.

فالاكتفاء بنمو يتراوح بين 2 ٪ و3 ٪ ليس سوى إدارة لأزمة طويلة الأمد، واستهلاك للجهد في الحفاظ على التوازنات الدنيا عوض بناء استراتيجية توسعية تسمح بتحقيق نمو يدفع الاقتصاد خارج دائرة إعادة إنتاج أزماته، التي يمكن وصفها بدائرة الاستثمار المحدود المؤدي إلى إنتاجية ضعيفة، وإنتاجية ضعيفة تفضي إلى مداخيل محدودة، ومداخيل محدودة تقيد الادخار والاستثمار، لنكون أمام حلقة شبه مغلقة.

في المقابل، ما تحتاجه البلاد ليس تحسنًا ظرفيًا في المؤشرات، بل مسار إقلاع اقتصادي حقيقي قوامه نمو سنوي لا يقل عن 6 ٪ على مدى عقد كامل. هذا المعدل ليس طموحا نظريا بقدر ما هو ضرورة اقتصادية واجتماعية إذا أردنا تحقيق الرفاه وتغيير واقعنا الاقتصادي. فالنمو الحقيقي هو الذي يغيّر بنية الاقتصاد، ويعزز القطاعات الصناعية والخدمات ذات القيمة العالية، ويدفع نحو اندماج أوسع للتكنولوجيا والابتكار في الدورة الإنتاجية.

وهذا ما ينبغي أن يكون رهان السنوات القادمة للنجاح في نقل اقتصادنا من الهشاشة إلى القوة الإنتاجية، فذلك سبيلنا للخروج من وضع يتسم ببطالة متراكمة، وعجز في الميزانية، وعبء مديونية، وضعف في القدرة الشرائية. وهي هشاشة لا يمكن تجاوزها ما لم نعالج نقاط الضعف البنيوية التي تتجلى بوضوح في الأرقام التي كشفها معهد الإحصاء.

فهذه الأرقام تبيّن محدودية الاستثمار الخاص في البلاد، وهو ما يقودنا إلى مناخ عدم اليقين التشريعي والجبائي الذي ينبغي وضع حد له. كما تكشف عن هيمنة قطاعات منخفضة القيمة المضافة، ما يحدّ من إمكانيات خلق الثروة.

وضعف قدرة الاقتصاد على خلق الثروة لم تستطع الدولة، بسياساتها العمومية، معالجته، وهو نتاج عنصرين، ضعف السياسات العمومية من جهة، وأزمة التمويل من جهة أخرى. فالمالية العمومية المثقلة بكتلة الأجور والدعم على حساب الاستثمار تقلص هامش المناورة لإطلاق برامج تنموية كبرى، وهو ما يمثل أحد مواطن الضعف الرئيسية. كما أن القدرة على الولوج إلى التمويل لا تفتقدها الدولة فحسب، بل يعاني منها أيضًا القطاع الخاص في ظل ضعف التمويل وارتفاع كلفة الاقتراض.

هذه النقاط مجتمعة تكبل الاقتصاد وتؤدي في النهاية إلى نمو إداري يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار دون أن يفتح أفقا حقيقيا. وهو ما يستوجب القطع مع هذا النسق والعودة إلى حركية استثمارية واسعة شبيهة بتلك التي مكّنت البلاد، في سنوات ما قبل 2010، من تحقيق معدل نمو في حدود 5 ٪ سنويا. غير أن ذلك يظل مشروطا بإصلاحات هيكلية عميقة في الجباية، والحوكمة، ومناخ الأعمال، وسياسات الدعم، وتحفيز الاستثمار.

إن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في تحسين نسبة النمو، بل في تغيير طبيعته: من نمو ظرفي محدود إلى نمو قائم على الإنتاج الشامل، وعلى الاستثمار والتصدير وخلق القيمة المضافة، بهدف إعادة صياغة الوجه الاقتصادي والاجتماعي للبلاد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115