يبتدع لها “أسماء” ومصطلحات تختزل كامل السياق، حربًا كان أو سلامًا، ويبدو أننا سنشهد قريبًا ظهور مصطلح يختزل ما تعيشه المنطقة هذه الأيام من تطورات كبرى، تدفع بكامل منطقة الشرق الأوسط إلى إعادة إنتاج التحالفات.
فما أعلنته زيارات الرئيس التركي طيب رجب أردوغان هذا الأسبوع إلى كلٍّ من الرياض ثم القاهرة بشكل صريح، هو أن الشرق الأوسط دخل مسارًا جديدًا يُعاد فيه تشكيل الاصطفافات، وليس فقط تصحيح مسار العلاقات المتوترة بين أنقرة وكلٍّ من المملكة ومصر. فسياق الزيارة، وما عاشته المنطقة خلال الأسابيع القليلة الفارطة من زخم وتطورات، لا يمكن قراءته فقط بوصفه عودة إلى الواقعية السياسية في العلاقات بين الدول التي اصطف كلٌّ منها في خندق، وخاض صدامًا طوال سنوات بعناوين أيديولوجية، كان الإسلام السياسي مركز ثقلها ومحددها.
بل نحن اليوم، سواء بما تخبرنا به الزيارات أو ما توفر من معطيات ومعلومات، أمام منطقة تعيد إنتاج تحالفاتها، لا فقط من خلال تغيير الاتجاه، بل بتغيير محددات التحالف: كيف ولماذا وبأي شروط، بعد أن تأكد انهيار فكرة المحور القائد في المنطقة، وتحرك جميع أطرافها، باستثناء دولة الاحتلال، من موقع القلق الاستراتيجي لا الثقة.
ففي السنوات الفارطة تشكل محوران أساسيان في الشرق الأوسط: المملكة العربية السعودية تقود تحالفًا يضم مصر والإمارات والبحرين، لا يخفي خصومته وعداءه للإسلام السياسي ورفضه للثورات العربية، مقابل محور ثانٍ بقيادة تركية قطرية. إذ إننا اليوم، وبعد ما مرت به منطقة الشرق الأوسط من أحداث وتطورات بعد السابع من أكتوبر 2023، ترسخ لدى دول المنطقة ومحاورها أنه لم تعد هناك دولة قادرة على لعب دور “المركز” الذي تنتظم حوله الأطراف الأخرى. فلا المملكة العربية السعودية اليوم هي مركز العالم العربي، ولا تركيا مركز العالم السنّي، ولا مصر بوابة الإقليم.
وهذا ما أكدته زيارات أردوغان الأخيرة، فالرجل الذي أدرك، في ظل أزمة بلاده الاقتصادية وحدود قوتها في كلٍّ من ليبيا وسوريا، أنه لم يعد زعيم مشروع للمنطقة، بل فاعلًا إقليميًا عليه البحث عن إدارة تحالفات بلاده وتموقعها من منطلق براغماتي فرضته الضرورة لا الخيار. والأمر ذاته بالنسبة للرياض والقاهرة، اللتين باتتا تتحركان من المنطق نفسه. فكلاهما بات يدرك أنهما مهددتان بالتطويق، وأن من يقود العملية هي دولة شقيقة كانتا معها في ذات المحور، وهو ما كشفته محاولة إحياء جمهورية اليمن الجنوبي، وإعلان تأسيس دولة أرض الصومال، وما يعيشه السودان من حرب مستمرة منذ سنوات. عناصر جعلت من السعودية ومصر تتقاسمان القلق، وهذا التماثل مع تركيا هو ما يفتح باب التقارب، بالإضافة إلى قطر، لا تطابق الرؤى.
قلق تنامى لا نتيجة حرب الإبادة على قطاع غزة، بل نتيجة هجوم دولة الاحتلال على قطر، وتوسعها العسكري في سوريا، واعترافها السريع بأرض الصومال، هذا الكيان الذي بات يمثل، من وجهة نظر مصر والسعودية وتركيا، عنصرًا مزعجًا يفرض عليها إعادة قراءة المشهد وترتيبه وفق مقتضياته الجديدة.
فدولة الاحتلال لم تعد أصلًا استراتيجيًا محتملًا لبعض العواصم، بل باتت مصدرًا لعدم اليقين والتوتر في المنطقة، وهو ما رسخته الضربات العابرة للحدود، والاستخفاف بالسيادة، والعجز الأميركي عن فرض خطوط حمراء، خاصة في ما يتعلق بالهجوم الصهيوني على الدوحة. كلها عناصر دفعت العربية السعودية ومصر بالأساس إلى إعادة تعريف مفهوم “التهديد”. فهنا لم تعد إيران فقط من تمثل الخطر، ولم يعد السؤال: كيف سيواجهون إيران؟ بل بات: كيف نمنع أي طرف – حتى الحليف المفترض – من الهيمنة على المنطقة أو جرّها إلى انفجار؟
من هذه الزاوية، بات التقارب بين الرباعي: تركيا، مصر، السعودية، وقطر، جزءًا من سياسة توازن ضد الفوضى أو خضوع المنطقة لهيمنة الاحتلال. فالرباعي يريد الاستفادة من نقاط قوة كل طرف فيه. فتركيا، التي تملك قدرة على ضبط ساحات اشتباك عدة اليوم، في غزة وسوريا وليبيا، ولها نفوذ في منطقة البحر الأسود، أصبحت بالنسبة للسعودية ومصر خيارًا ضروريًا، لا صديقة ولا حليفة.
ولا يكتمل فهم منطق التقارب الرباعي دون تفكيك عناصر القوة لدى بقية أطرافه، ليس بوصفها أوراق تفوق مطلقة، بل باعتبارها موارد استراتيجية تُستثمر في سياق إدارة القلق ومنع الانزلاق نحو فوضى إقليمية مفتوحة. فالسعودية، رغم ما اعتراه دورها الإقليمي من تراجع نسبي خلال العقد الأخير، لا تزال تمثل ثقلًا مركزيًا في معادلات الطاقة والاقتصاد السياسي للمنطقة. فهي الفاعل القادر على التأثير في أسواق النفط العالمية، وضبط إيقاع العلاقة بين الشرق الأوسط والاقتصادات الكبرى، من واشنطن إلى بكين. هذا النفوذ الاقتصادي يمنحها قدرة على إعادة تعريف أولويات الإقليم، ويعكس إدراكًا بأن الزعامة العربية لم تعد خيارًا ممكنًا، وأن عليها اليوم أن تتقاسم النفوذ باعتباره الأقل كلفة والأجدى لحماية مصالحها في الوقت الراهن.
والأمر ذاته لمصر، التي وإن تراجع حضورها الإقليمي، إلا أن مصادر قوتها لا تزال قائمة، سواء موقعها الجيوسياسي أو وظيفتها البنيوية في الأمن الإقليمي ودورها في حراسة الممرات الحيوية للتجارة العالمية. كل هذا يمنحها القدرة على التعطيل والمنع، إن لم تكن قادرة على المبادرة والزعامة.
وبالنسبة لقطر، فرغم صغر مساحتها وحدودها الديموغرافية، فقد راكمت خلال السنوات الماضية قوة الوساطة والاختراق الناعم، إذ إنها الطرف الذي يملك قنوات مفتوحة مع الجميع تقريبًا. هذه القنوات التي نُظر إليها سابقًا على أنها مصدر إزعاج لجيرانها، باتت اليوم أصلًا استراتيجيًا في إدارة الأزمات، خصوصًا في ظل انسداد الأفق الدبلوماسي التقليدي.
كل هذه العناصر تجعل من التقارب الذي نشهده اليوم بين تركيا والسعودية ومصر وقطر، تقاربًا غير قائم على تطابق المشاريع أو وحدة الرؤية، بل على تكامل الوظائف. فكل طرف يملك ما ينقص الآخر، وكلهم يدركون أن البحث عن الزعامة لم يعد مجديًا في منطقة تتآكل فيها ثوابتها القديمة ويُعاد تشكيلها دونهم.
لذلك جاء هذا التقارب، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل تحالفات المنطقة، لا من منطلق طويل الأمد، ولا بهدف إعادة تشكيل النظام الإقليمي بشكل نهائي، بل من منطلق تحالف الضرورة المؤقت، وبوعي كامل بمؤقتيته. وهو تطور نوعي في الثقافة الاستراتيجية للرباعي، الذي بات يدرك أن استقرار منطقة الشرق الأوسط وفق توازناته القديمة لم يعد ممكنًا، وأن الانفجار قادم لا محالة، وأن أفضل الخيارات لهم الاستعداد له بالدفع نحو تأجيله عبر إدارة تناقضات عدة.
ومنطقة شمال إفريقيا ليست بمنأى عن هذا، بل هي في قلب المعادلة، سواء في ليبيا التي سيُختبر فيها هذا التقارب، أو تونس أيضًا، وإن بدت خارج المشهد، إلا أنها جزء منه. فتراجع الاستقطاب الإقليمي وتغيير المحاور قد يدفعانها، رفقة الجزائر، إلى إعادة النظر في خياراتهما.
وهو ما يعني اليوم أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باتت في منطقة رمادية، وزمن الدول القلقة التي تتحالف لا لأنها متفقة، بل لأنها تخشى أن تبقى وحدها في عالم يتغير بمنطق القوة