أُعلن أنه تقرر عقد جلسات المحاكمة في ما يعرف بـ«قضية التآمر» وفق إجراءات المحاكمة عن بعد ووقع تعليل ذلك بوجود «خطر حقيقي» دون تحديد طبيعة هذا الخطر أو إثباته.
هذا البلاغ المتعلق بإجراءات عقد المحاكمة في ما قد يكون أهم قضية عرفتها تونس خلال السنوات العشرين الاخيرة والتي يمثل فيها قرابة 40 شخصا من الفاعلين في المجال العام سواء أكانوا نشطاء حزبيين او رجال اعمال او اعلاميين او من من تقلدوا مسؤوليات سابقة في الحكم أمام القضاء التونسي بتهمة التآمر والتخابر مع جهات أجنبية والإرهاب وقد ولّد ذلك جدلا حادا في البلاد حول طبيعة هذه المحاكمة وعن سبب التكتم الشديد الذي انتهجته السلطات والجهات القضائية طيلة سنتين من عمر القضية لم تقدم فيهما معطيات غير التهم الموجهة والتي يدحضها فريق الدفاع جملة وتفصيلا بل ويعتبر أنها استندت على وشاية واهية لا تستند إلى اية دلائل أو براهين تؤيدها.
بين سردية الدفاع وصمت السلطات والقضاء وما حف بالملف خلال السنتين الفارطتين من غموض وتفاصيل مربكة يجد الشارع التونسي نفسه او على الاقل المتابعين للشان العام امام معضلة تحديد شروط المحاكمة العادلة أيا كانت القضية والتهم الموجهة فيها وحق الرأي العام في الحصول على المعلومات بشأن هذه القضايا والمحاكمات خاصة إذا كانت تتعلق بالصالح العام و مستقبل البلاد وراهنها.
جدل انطلق منذ بداية الإيقافات التي رافقتها مطالب وجهت للسلطة والقضاء تدعوهما الى تقديم معلومات عن هذه القضية وطبيعة الادلة والاثباتات التي استندت اليها لتوجيه هذه التهم الخطيرة لمواطنين تونسيين قد يواجهون الاعدام اذا تم إثبات التهم عليهم ، وقد جوبهت هذه المطالب برد موحد سواء من السلطة او من القضاء بان ما لديها من معطيات سيقدم في جلسات المحاكمة وان التونسيين سوف يطلعون على الحقائق خلالها.
لكن بقرار رئيس المحكمة الابتدائية ووكيل الجمهورية عقد جلسات المحاكمة عن بعد، اي دون حضور المتهمين ودون ان تكون علنية ومفتوحة للحضور، نكون أمام وضعية وقع التحذير من مغبة الوقوع فيها وهي انعدام شروط المحاكمة العادلة سواء في هذه القضية او في غيرها، وهو ما يجب ان ننتبه اليه.
المحاكمة العادلة ليست مجرد إجراء قانوني بحت، بل هي جوهر العدالة التي تضمن حق المتهم في الدفاع عن نفسه أمام قضاء مستقل ونزيه موكول اليه ضمان شروط المحاكمة العادلة التي تقوم على مبدإ علنية المحاكمات وضمان حق الدفاع. سواء في مثل هذه القضايا التي تمس الأمن القومي وتشمل شخصيات سياسية بارزة، او في غيرها من قضايا الحق العام، والمشرع التونسي حدد حصرا طبيعة القضايا التي تكون سرية ومتى يمكن اللجوء الى الجلسات السرية، والامر لايحتاج الى خبرة او اختصاص اكاديمي في القانون لمعرفة ما اذا كانت قضية التآمر على أمن الدولة لا تتوفر على شروط المحاكمة السرية، كما ان التعليل الذي قدم في بيان المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة من وجود خطر حقيقي، لا يمكن ان يبرر إسقاط مبدإ اساسي في القضاء وهو علنية الجلسات وحق المتهمين في الدفاع عن انفسهم، كما أنه عذر قد يمس من الثقة في القضاء ويولد شكوكا لدى البعض في أننا قد نكون أمام ملف استخدم فيه القضاء لتصفية الخصوم السياسيين، وهو ما بات يعلن بصوت مرتفع اليوم من قبل أسر المتهمين وهيئات الدفاع عنهم وعدد من التونسيين.
كل هؤلاء استندوا إلى التاريخ الحديث لتونس للاشارة الى ان الانظمة الاستبدادية التي أمسكت بمقاليد الحكم فيها عمدت إلى توظيف القضاء في قمع المعارضة عبر محاكمات سرية وحرمان المتهمين من حقهم في محاكمة عادلة وعلنية وحق المتهم في الدفاع عن نفسه بحضور محاميه، وحيادية القضاة. وكشف لنا تاريخنا المعاصر عن تبعات الإخلال بهذه الضمانات.
اليوم، وتجنبا لأخطاء الماضي خاصة اذا تعلق الامر بالقضاء والمحاكمات في قضايا ذات طابع سياسي، يجب أن نحترم كل شروط المحاكمة العادلة، حتى لا نقع في فخ الاستقطاب الحاد الذي يُضعف ثقة المواطنين في العدالة وفي الدولة وسردياتها التي ستكون اليوم محل اختبار جدي لا يمكنها ان تنجح فيه الا بضمان علنية المحاكمات وحضور المتهمين في الجلسة للدفاع عن أنفسهم.
هذا ضروري لسد النقص الناجم عن غياب المعلومات الرسمية في هذه القضية بالذات والذي ولد حالة من الشك والالتباس وفق ما قدمته هيئات الدفاع من معطيات تجعل من الضروري اليوم ان نطلع على كل التفاصيل الممكنة وهذا غير ممكن الا بمحاكمة عادلة، هي ليست ضمانات إجرائية فقط، بل انها كذلك عملية تواصل شفافا مع الرأي العام.
في قضايا الرأي العام، يكون للمعلومة دور محوري في تشكيل القناعات العامة. وحين تغيب الرواية الرسمية أو تظل غامضة، يتم ملء هذا الفراغ بالسرديات السياسية المتضاربة التي تؤثر بطرق عدة على سير المرفق القضائي الذي يواجه اليوم في مثل هذه القضايا تحديات حقيقية لا يمكن له ان يعالجها بالذهاب الى خيار المحاكمة عن بُعد، والاستناد الى القانون لتمرير ذلك، في مثل هذه القضايا بالذات لانه سيقع النظر اليها من قبل عدد غير قليل من التونسيين على انها قد تكون عقوبة إضافية أو إجراء انتقائيا.
هذا ما لا يجعل نقطة علنية المحاكمات في هذه القضية مسألة خلافية بل من منطلق قانوني، سياسي وحقوقي يتعلق اساسا حول معنى العدالة التي لا تتحقق الا بتحقيق التوازن بين سلطة الدولة في حفظ الأمن وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، بمن فيهم المتهمون في قضايا بهذا الحجم والخطورة. وحين يتم انتهاك هذا التوازن نفقد العدالة. مما يجعل التحدي اليوم في تونس لا يقتصر على ضمان نزاهة المحاكمة فقط، بل على إعادة بناء الثقة في النظام القضائي ككل، لأن أي إخلال بهذه المبادئ ستكون له تداعيات أوسع على المشهد السياسي والقانوني في البلاد.