القطاع المصرفي وحرب التحرر والتعويل على الذات : ضغط على السيولة وخطوط تمويل الاقتصاد

في لقائه بوزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي، برز حرص رئيس الجمهورية قيس سعيّد

على التشديد على السيادة الوطنية التي تقوم على السيادة المالية للدولة، كشف عن تقديم تصوره وخياراته المتعلقة بالسياسة المالية والنقدية التي يتم بواسطتها التقليل من الاعتماد على الخارج والسماح بتعبئة موارد مالية لتمويل الميزانية.

تصور الرئيس للسياسات المالية والنقدية للدولة ليس منفصلًا عن تصوراته الاقتصادية القائمة على مقولات أبرزها إصلاح النظام الجبائي وحسن إدارة ملف الأملاك المصادرة وحرب التحرر الوطني حيث انتقد عدم انخراط المؤسسات المصرفية فيها، سواء تلك التي تمتلك الدولة مساهمات فيها أو المصارف الخاصة.

حرب التحرر الوطني في هذا السياق الاقتصادي تبدو أنها مقاربة سياسية أكثر من كونها مقاربة اقتصادية يتبناها الرئيس وقد كشفها لوزيرة ماليته التي كُلفت بتنزيل خيارات سياسية، الجامع بينها تعبئة موارد مالية لتمويل الميزانية.

من الخيارات السياسية لتعزيز موارد الدولة المالية، والتي تُقدم ضمن تصور اقتصادي ومالي عنوانه الأبرز السيادة الوطنية، عناوين بارزة، أهمها إصلاح النظام الجبائي التونسي لتحقيق مقولة الرئيس: «جباية تقوم على العدل والإنصاف كما ينصّ على ذلك الدستور»، بما يوحي بأن الرئيس يطالب وزيرته بتوزيع للضرائب أكثر عدالة، بما يحقق هدفين: تعزيز المداخيل الجبائية للدولة، وتقليص العبء الضريبي عن الفئات الهشة والطبقة الوسطى، وذلك ما يجعل الوزيرة ومن ورائها إطارات وزارتها أمام مسارات محددة، ومنها رفع الضرائب على الأثرياء والشركات.

توجه انطلقت فيه الحكومة التونسية بقانون مالية 2025، ويبدو أنها ستستمر في انتهاجه، مع سياسات أخرى تنتهي بتعبئة موارد مالية إضافية للميزانية، على غرار معالجة ملف الأملاك المصادرة، الذي كان بدوره أحد محاور اللقاء الذي جمع الرئيس بوزيرة المالية. أبرز ما كشفه الرئيس عبر نقده للمؤسسات البنكية التونسية وعدم انخراطها في حرب التحرر الوطني ضعف مساهمتها في سياسة التعويل على الذات وتمويل الاقتصاد والميزانية.

وكان النقد الذي وجهه الرئيس للمؤسسات البنكية في لقائه مع وزيرة المالية وكان مختلفًا عن نقده لهذه المؤسسات في لقائه بمحافظ البنك المركزي، فهو لم يصرّ، كما حصل في لقائه بفتحي زهير النوري، على انتقاد عدم تنفيذ البنوك لمنشور البنك المركزي أو كيفية تعاطيها مع الواقع الذي فرضه قانون الشيكات الجديد، بل انتقد عدم انخراطها في حرب التحرر التي تقوم على خيار مركزي، وهو «التعويل على الذات».

هذا الشعار لهذه الحرب يقدم خلفية لقراءة نقد الرئيس للمؤسسات البنكية وتفكيكها لفهم المراد منها. هنا يبدو أن المطلوب من البنوك، سواء أكانت ذات مساهمات عمومية أو خاصة، أن تنخرط أكثر في تمويل الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي بما يمكن أن يُفسَّر كدعوة ضمنية للبنوك لمنح قروض بشروط أكثر مرونة للدولة أو دعم المشاريع الحكومية، وهو ما يعني ضمنيًا مزيد التوجه للاقتراض الداخلي والدفع به إلى مستويات غير مسبوقة.

وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية التونسية في علاقة بالمديونية، يتضح أن منحى التوجه للسوق الداخلية شهد ارتفاعًا جعل من الديون الداخلية تمثل حوالي 54 % من مجمل الدين العام لتونس في عام 2024، أي ما يعادل 72.6 مليار دينار تونسي تقريبًا (حوالي 22.6 مليار دولار).

لو نظرنا الى المنحى الذي تشكل منذ زيادة الاعتماد على التمويل الداخلي، سيتضح أن نسبة الديون الداخلية من إجمالي الديون العامة ارتفعت من 39.6 % في 2021 إلى 42 % في 2022، ثم إلى 47.2 % في 2023، وصولًا إلى 53.8 % في 2024. وهو ما يعكس الاعتماد المفرط على السوق الداخلية لتعبئة موارد مالية لميزانية الدولة ويخلق مخاطر اقتصادية ومالية كبرى على الاقتصاد والمالية.

التوجه إلى مزيد الاعتماد على السوق الداخلية ودعوة البنوك لأن تكون جزءًا من معركة حرب التحرر الوطني ستكون له انعكاسات على الاقتصاد التونسي وعلى مؤشراته الكلية، وذلك لأن الطلب المتزايد للحكومة على التمويل الداخلي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة بما يرفع تكلفة الدين العام ويزيد من أعباء خدمته.

الانعكاس السلبي الأشد لهذا الاعتماد هو التضييق على القطاع الخاص في في السوق المالية المحلية وتقليص فرص الولوج إلى التمويل، وهو ما يعني أن المؤسسات والشركات، خاصة المتوسطة والصغرى، ستجد صعوبة في الحصول على القروض بسبب التنافس مع الدولة على نفس الموارد المالية ذلك أن مزيد انخراط البنوك المحلية في تمويل الميزانية ستكون تداعياته تقليل السيولة المتاحة لتمويل المشاريع الاقتصادية والاستثمارات الخاصة، وستكون نتيجة ذلك إضعاف النمو الاقتصادي، إضافة إلى تأثيره على استقرار القطاع المصرفي، الذي قد يقع في دوامة إعادة التمويل، أي أن تلجأ الحكومة باستمرار إلى إصدار ديون جديدة لسداد الديون القديمة، مما يؤدي إلى دوامة مديونية يصعب الخروج منها.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115