التحولات الهادئة واللامرئية : من النشطاء إلى الفاعلين ''العاديين''

يكثر الحديث هذه الأيام، عن دور النخب التونسية و'المثقّفين العضويين" في إحداث التغيير المنشود

إذ أنّ بإمكان هؤلاء أو هكذا نتوقّع منهم، أن يمارسوا الضغط وأن ينتقدوا الأوضاع وأن يتخذوا مواقف جريئة وأن ينتظموا وفق تشكلات جديدة وأن ينتجوا خطابات مبتكرة تتلاءم مع السياق الذي تمرّ به البلاد، وكذلك مع السياق العالمي بعد حرب إبادة الشعب الفلسطيني. وهذا الحديث الذي يتّخذُ النخب التونسية موضوعا للدردشة الفايسبوكية و"المحاكمة" أو التحليل يتراوح بين نقد صريح ل'غياب المثقفين/ات وصمتهم وانتقاد شديد لارتهان فئة منهم للمركزية الغربية الذي بلغ حدّ انتظار الآخر حتى يُحدث التغيير بالنيابة، وبين شتم الجميع "على بكرة أبيهم" ولعنهم وسحلهم فايسبوكيا...

ويعكس الموقف من النخب تصوّرا تقليديا يتبناه أغلب الناس الذين مازالوا متعلقين بفكرة التغيير من فوق، أي الدور المنوط بعهدة''المخلّصين' والقيادات الثورية المنتمية إلى طبقة امتلكت امتيازات وتموقعت من خلال سلطة المعرفة أو امتياز الطبقة. وبما أنّ المسار قد أثبت أنّ التعويل على القيادات السياسية في النهوض بدور فعّال لم يعد في الغالب، ممكنا وأنّ الثقة في بروز تشكلات حزبية أو عمالية قد انعدمت فإنّ الحلّ يكمن، حسب هؤلاء، في استعادة المثقّف فاعليته وتحمّله المسؤولية التاريخية.
غير أنّ الذين يوكلون إلى النخب مهمّة تحقيق التغيير الاجتماعي بالنيابة عن الجميع، يعبّرون عن غير قصد، عن خلط بين الجامعي والمثقف وعن تمثلاتهم لدور المثقف/ة الذي لابدّ أن يتحوّل، في نظرهم، إلى فاعل سياسي يُخطط وينجز... فالمطلوب منه أن لا يحلّل ولا يفتح النقاش ولا يعرض الأسئلة المهمّة ولا يُنظّر... بل يمتلك القوّة على مواجهة سياسات الدولة والقدرة على الفعل في الواقع. ويتناسى هؤلاء أنّ التعويل على النخب يقيم الدليل على الاستمرار في تهميش دور الفاعلين "العاديين" الذين يعبّرون عن عدم رضاهم عن سياسات الدولة من خلال أفعال يومية ويقاومون بنى الاضطهاد واللاعدالة والتمييز من خلال أفعال بسيطة تبدو لامرئية. فربّات البيوت مثلا ما عدن يجدن حرجا في التعبير عن غضبهن من النتائج المترتبة عن غلاء المعيشة، وبتن يتعاملن مع 'الكاميرا' بأريحية فيسردن تفاصيل حياتهن اليومية وهن يبحثن عن حلول عملية ولا ينتظرن خدمات من الدولة. إنّ سرديات النساء الباحثات عن الماء أو المواد الأساسية أو المتكبدات لآثار التغيرات المناخية تثبت أنّ علاقتهن بالدولة متوترة فهنّ لا يعتصمن أمام 'مقرات السلطة' بل يقاومن فرديا أو ضمن المجموعات التي تشبههن وتتقاسم معهن الهموم والمشاعر والطموحات...إنّهن يبتكرن أشكالا من النضال والتضامن تسترعي الانتباه. ولا نعدم أمثلة أخرى عن نساء ورجال يقاومون بوسائلهم البسيطة في قطاعات أخرى كالفلاحة و المصانع...
إنّها أشكال حضور في الفضاء العامّ وأفعال مقاومة "مدنيّة" وسلمية وهادئة تتحدى الأطر التقليدية لفهم الفاعلية وتحليلها، ولتحديد الفاعلين وضبط جغرافية النشاطية. كما أنّها تربك المقاربات المألوفة التي تركّز على النخب وتهمّش بقية الفاعلين/ات لأنّ هؤلاء لا يمتلكون بلاغة التعبير عن تصوراتهم ولا أناقة الحضور في المنابر الإعلامية وفنادق ال5 نجوم...
إنّ هذه التحولات الاجتماعية مهمّة في تقديرنا، لأنّها تشير إلى أنّ 'اللاحركات الاجتماعية'' التي تمارس ''سياسة الشارع'' (على حدّ عبارة المفكّر الإيراني آصيف بيات) وفنّ الحضور في الأحياء والأسواق وغيرها من الأفضية، هي بصدد العمل على تغيير الواقع بنسق هادئ وهي تتجاور مع الحركات الاجتماعية التقليدية وتستفزّ من يدافعون عن التوجهات الليبرالية ويؤمنون بأنّ التغيير لا يتمّ إلاّ من فوق وعلى يد النخب أو بفضل "التدخل الأجنبي".
إنّ هذه الجماعات أو التكتلات غير المهيكلة وغير المنظمة وغير المنضبطة لا تؤمن بالقيادات والزعامات بل بالعمل الدؤوب من أجل تحسين ظروف العيش المتشابهة ولا تحرّكها الرغبة في السلطة ولا الصراعات الأيديولوجية أو الحسابات الضيقة بل "الخير العام" وجلّ ما تطمح إليه هو تحسين أوضاعها وضمان الحقّ في الماء الزلال من العيون وفي الكسرة وفي مكان يأويهم وأدوية تعالجهم...إنّه الحق في الخدمات الأساسية التي تضمن البقاء على قيد الحياة بكرامة. ..فاتركو 'الثقفوت' لحالهم و'النخب الفاشلة' وتوقّفوا عند التجارب اليومية للناس البسطاء والعاديين وتعلّموا منهم إرادة الحياة وإرادة التغيير وفعل المقاومة لأنّ التاريخ يكتب أيضا من 'الأسفل".

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115