مشروع تنقيح القانون الانتخابي: لا مجال لإقحام الجيش والأمن الجمهوريين..

الجدل الّذي تمّت إثارته حول تمكين الأمنيين و العسكريين من التصويت ،على هامش التعرّض إلى التعديلات المزمع إدخالها على القانون الإنتخابي، لا مجال لإثارته في ظل الدستور الحالي ،و بالتّالي يكون تناول الموضوع بمثابة التغريدات المنفلتة في الأوساط البرلمانية والعامة .

فالجيش الجمهوري والأمن الجمهوري قوتان مُلزمتان بالحياد التّام في مفهومه الشامل والمطلق، وهو ما يفهم من عبارة «التام» التي حدّدت نطاق هذا الحياد، عند التنصيص عليه ضمن الفصلين 18 و19 من الدستور، بحيث لا يصح التأويل والتوسّع في هذا النطاق.
فالجيش الوطني طبق الدستور التونسي هو جيش جمهوري «قوّة عسكرية مسلّحة قائمة على الإنضباط، مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون، ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه ، وهو ملزم بالحياد التّام. دعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون.»

أمّا الأمن الوطني وفق الفصل 19 من نفس الدستور ، «هو أمن جمهوري ، قواته مكلّفة بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسّسات والممتلكات وإنفاذ القانون، في كنف إحترام الحريات وفي إطار الحياد التّام.»
هذا التنصيص الصريح يغلق الباب دون محاولة إيجاد منفذ لإدخال تعديل يسمح لهاتين القوتين الجمهوريتين، بالمشاركة في العمليات الإنتخابية ذات الصلة بالشؤون السياسية، بأي شكل من الأشكال ، بإعتبارهما ضامنين في الحقيقةـ كل في مجاله ـ في الذود عن الوطن والأفراد والدولة و مؤسّساتها المختلفة.

لذلك لا يمكن معارضة هذا المبدأ العام بمقتضيات ممارسة الحقوق والحريات المضمونة بالدستور المكفولة لكل المواطنين طبق الضوابط القانونية ،و هي حقوق و حريات خاضعة لما يقتضيه الأمن العام والدفاع الوطني حسب نفس الدستور .

هذه الإعتبارات الدستورية ليست في الحقيقة وليدة اليوم و إنما هناك عوامل تاريخية ، وخيارات سياسية متجذرة ، جعلت هاتين القوتين في منآى عن الشأن السياسي على خلاف واقع بعض الدول العربية و الإفريقية و بعض دول أمريكا اللاّتينية و حتى بعض الدول الأوربية قبل أن تغيّر أنظمتها السياسية، الّتي إرتبط تاريخها بدور فاعل للقوات العسكرية، وما لذلك من تأثيرات على إستقرار أنظمتها التي تميز بعضها بكثرة الإنقلابات و الصراعات .

فخيار الحياد إذن ليس لتقليص حقوق وحريات العسكريين والأمنيين كما يريد البعض الترويج له، بل لتمييز القوتين الجمهوريتين وجعلهما مؤسّستين راعيتين لأهم مقومّات الدولة العصرية الراّمية لجعل الديمقراطية آلية أساسية في الحكم و في الإرتقاء إليه ومغادرته بواسطة الإقتراع المباشر للمواطنين ودون النزوع إلى القوة والسلاح لفرض سلطة ما، أو التأثير على مجريات تلك الإستحقاقات بأي شكل من الأشكال .

والشعب التونسي تربى على هذا الخيار لذلك لم تنظر عدّة فئات بعين الرضاء لإنشاء نقابات أمنية، خوفا من تجاوز الإختصاصات الدّاخلية في تنظيم وترتيب الشأن الدّاخلي، وتحسّبا من إنشاء تنظيمات موازية بدعوى الحق في التنظم كما حصل بخصوص ما سمي بروابط حماية الثورة ، أو جمعيات أخرى أرادت أن تنسب لنفسها مهام « الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر» أو التفكير في إنشاء مليشيات خاصّة لمؤازرة تنظيمات حزبية معيّنة.

و بورقيبة الذّي كان أهم رائد في بناء الدولة الحديثة، كان متشبّعا بقناعة تحييد الجيش والأمن و كان بمعية ثلّة من السياسيين وراء وضع مؤسّسات متكاملة خاصة لهاتين القوتين، وكان كثير التوجّس من إختراق صفوف هاتين القوّتين، وكان على حق، لأن بعض المحاولات الّتي فشلت كشفت مخاطر تدخل القوتين في الشأن السياسي . و لكن رغم ذلك وعندما ضعفت سلطته و أحجم عن إعتماد الديمقراطية في الحكم، لجأ إلى عسكري للأخذ بزمام السلطة، وانتهى به الأمر إلى إزاحته بطريقة مهينة جرّاء هذا الإختيار.

فالأمر لا يتعلّق إذن بإنتقاص حق مواطنة ، بل يمكن إعتبار هذا الخيار إعطاء تميّز للجيش الوطني الجمهوري و للأمن الوطني الجمهوري، لإعتبارهما قوات حامية للجميع دون أي تمييز لهذا الحزب عن ذاك و حامية لكل الوطن دون تمييز لهذه الرقعة من البلاد عن تلك. لذلك و بقطع النظر عن مقتضيات أحكام الدستور الواضحة ، فإن إقحام القوات العسكرية في أي باب من أبواب الإنتخابات التي تدخل في نطاق التنافس السياسي على أي نطاق كان ، ويصحّ الأمر كذلك بخصوص الماسكين بالسلطة القضائية ، يشكّل خطرا على مبدإ الحياد ،و خاصّة في الدول المتخلّفة والتي مازالت تخطو خطواتها الأولى في مجال الممارسة الديمقراطية .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499