الجامعي والروائي شكري مبخوت لـ«المغرب»: الوطنية ليست شعارا أو شعورا وعلى الجميع أن يكفّ عن النظرة الحانوتية للبلاد..

عين الدكتور الأديب شكري المبخوت الحاصل على جائزة البوكر للراوية مديرا للدورة 33 لمعرض تونس الدولي للكتاب، المبخوت أصدر مؤخرا روايته الجديدة «باغندا»، حيث حدّث «المغرب» عن بعض تفاصيل هذه الرواية ورمزية بعض أحداثها.. كما حدّثنا من خلال راويته عن الإعلام والصحافة والفساد..

كما اعتبر أن «ما ينقص البلاد هو مشروع وطني جامع وحقيقي ينبني على تصورات حقيقية»..

• عدت في رواية «باغندا» إلى تفاصيل من رواية الطلياني ولاحظنا ذلك في السيّدة الرئيسة، هل تعتقد أنّ الطلياني فتنك وأسرك؟
ملاحظتك في محلها، ثمة فتنة حقيقية في شخصية الطلياني في حد ذاتها لأنها شخصية مركبة ذات أبعاد متعددة ويمكن باستمرار توظيفها، فلا تنسي أن الطلياني تتوقف في حدود سنة 1990، ويمكن الاستمرار في ذلك لأنّ شخصية عبد الناصر حضرت وتلونت بمختلف المراحل التي عاشتها تونس في التسعينات وما بعدها ويمكن أن تصل حتى إلى الثورة وما بعد الثورة، لا ننسى أنّ سنه في الراوية هو من مواليد 1960، إذن هو من أبناء جيلي، الأهم من ذلك في رأيي أنّ الرواية أسرتني فعلا وجعلت هذا الأسر ليس مجرد انشداد لشخصية رابحة تجاريا، أقصد أنها لقيت قبولا ورواجا لدى القراء، ولكن لسبب آخر أهم هو أنّ الكثير من التفاصيل التي لم يكن من الممكن التوسع فيها في الرواية هي تصبح خيوطا لنسيج سردي اخر، مثلا هذه الرواية تستعيد من عبد الناصر شيئا وحيدا تقريبا، هو علاقته بباغندا الذي كان يلعب معه الكرة في البطحاء عندما كان شابا.. أعتقد أنها فترة مازالت تحتاج أن تُروى، وأن تسرد وأن تكتب، وهي فترة نهاية عهد بورقيبة وبداية عهد بن علي.. فالكثير من تحولات المجتمع التونسي التي نعيشها اليوم هي وليدة تلك الفترة في تقديري حسب قراءتي للتاريخ التونسي، ليس بالمعنى الصناعي، ولكن التاريخ النفسي الشخصي، وتاريخ الجيل الذي عشته، ونظرتي إلى سردية تونس باعتبارها حلقات مترابطة تتلون وتتنوع، ولكن عقدها لا ينفرط..
بالنسبة لشخصية الطلياني في «السيدة الرئيسة»، الأمر مختلف، لأنّها في الحقيقية ليست قصة قصيرة، وإنما هي كان يمكن أن تكون رواية مستقلة بحكم حجمها وبحكم العناصر السردية فيها، ربما كان كسلي وراء الاقتصار على جعلها قصة طويلة.. ولكن على كل أعتقد أنها شخصية جميلة..

• لماذا لم تفعل ذلك مع شخصية زينة؟
هذه الشخصية طلعت أثناء كتابة رواية «الطلياني» كالنبتة الشيطانية، أكثر شخصية أرهقتني في رسم ملامحها وفي كتابتها، لأنها صوت التونسية المتمردة بصفة راديكالية، هذا التمرد وهذا العنفوان الكبير في شخصية زينة لا أخفي الآن وقد قرأت الرواية وانتهى أمرها، لا أخفي أنها كانت مرهقة جدا وكان تطوير الشخصية في اتجاهات شتى أمرا صعبا أثناء الكتابة، وإن كنت أعتبر منطقيا ضمن منطق الرواية، زينة انتهت، وإذا كان من جزء آخر ممكن لرواية سردية زينة فهي ستكون في فرنسا وهذا أمر لا أمتلك أدواته الان، ولا أمتلك مفاتيحه، على كل هذه الشخصية أصبحت ترعبني لأنّ حريتها جذرية، ولأن المأساة التي ركبتها فيها أقوى مما يحتمله الأفراد، أصبحت أشفق عليها وأشفق على نفسي منها..فلا أعتقد أنني سأعود لشخصية زينة ولكن من الأشياء التي أبهرتني أنني مع تلاميذ المعهد النموذجي بتونس، نفس الشعور الذي وجده الكثير من القراء لم تعجبهم نهاية زينة، فوضعوا شريطا سينمائيا قصيرا، موجود في مدونتي «الحاشية والمتن»، وغيروا الخاتمة، فأرجعوا زينة إلى عبد الناصر الذي استلهموا شخصية الشهيد شكري بلعيد.. فأنا مستعد أن

أتخلص من شخصية زينة لكل من يستطيع أن يطوّرها في اتجاه آخر..

• تقوم رواية باغندا في هيكلها العام على التحقيق الاستقصائي، ما سر هذا الإصرار على شخصية الصحفي في روايك وفي شخصيات عديدة من مختلف أقاصيصك؟
هناك فكرة وُضعت في شخصية عبد الناصر، وهي أنه مرّ بتجربة صحفية، كان ذلك في سياق رواية الطلياني لبيان آليات الاستبداد، واليات الرقابة وقهر الفكر ضمن نظام الاستبداد، وأعتقد أنّ هذا الأمر قد نجح في رواية الطلياني فكثير من المسؤولين السابقين رأوا صورتهم في مرآة عبد الناصر، لكن هذا المستوى لا يعني ذلك أنه كل ما عاشه الإعلام التونسي قد أُستفرغ، فأنا متأكد أن حكايات كثيرة وهي حكايات مؤلمة واقعيا وممتعة سرديا في ألان نفسه، لذلك أخذت بعض التفاصيل عن مثل هذا في المجموعة القصصية السيدة الرئيسة عن رئيس التحرير الذي يُطرد من عمله بسبب ركن حظك اليوم الذي لم يكن مناسبا للرئيس.. ولكن في رواية «باغندا» يوجد شيء هنا أعتقد أنه مهم، وهو أن هذه الرواية من صنف لا يخلو من بعد تجريبي، فكيف نكتب رواية من خلال تقنية هي أقرب إلى

السرد ولكنه تحقيق في الآن نفسه، هذا الصنف هو موجود أكثر في الصحافة الأنغلوسكسونية، أعتقد أنّ جنس التحقيق يسمح بشيء من الإيهام بالواقع وفي الآن نفسه هو منفتح على حكايات كثيرة، فما وقع هو استغلال جمالي فني لشيء موجود في الإعلام والصحافة، ثم حين كتبت الرواية كانت فكرة التحقيق الإستقصائي منتشرة في تونس لأنها كانت جديدة، فتعرفين أنّ رواية «باغندا» الفصل الأخير فيها كان بعنوان التحقيق المستحيل، ويرتبط ذلك بالديكتاتورية ولكن هو سؤال أيضا للصحافة اليوم: هل يمكنك أن تنجز تحقيقا استقصائيا في تونس اليوم دون وسائل مالية وفي سياق ملتبس وفي سياق فساد وفي سياق عدم النفاذ للمعلومة.. كان هذا من الشواغل زمن الكتابة وليس زمن الأحداث.. الأمر الآخر الذي أعتقد أنه مهم، أنّ الإعلام والصحافة هما من أكثر الخطابات انتشارا في حياتنا وفي تمثلاتنا وتصوراتنا وللخبر مهما تكن طرق صياغته له عند الناس أثر عميق، فقد أكون أفكر في هذا الخطاب المهيمن عندنا، سواء كان شفويا أو مكتوبا، فشخصية الصحفي ثرية متنوعة الأبعاد لأنه ملتصق باستمرار بما يشكل اليوم تمثلات الناس ووعي الناس العام، لذلك أجد فيه باستمرار معينا لا ينضب من الأفكار..

• تبدو حادثة اختفاء باغندا في الرواية مجرد تعلة للحديث عن المجتمع التونسي فلماذا اخترت الرياضة، وكرة القدم تحديدا للحديث عن المجتمع التونسي؟
في الرواية هنالك تركيب بين مستويات ثلاثة، مستوى تحقيق الصحفي الذي أعطى للرواية شكلها وفيها إشارات أيضا للصحافة ومسألة الرقابة وتمويل الإعلام وهي قضايا حقيقية، والمستوى الثاني هو الحديث عن عالم الرياضة وما فيه من بيع اللاعبين وشرائهم وهيمنة رأس المال والفساد في عالم كرة القدم، وغير هذا من المظاهر، وفيها أيضا في هذا المستوى جوانب فنية.. والمستوى الثالث هو المجتمع التونسي في تحولاته والجامع بين هذا كله في رأيي بين المستويات المتفاعلة والمتظافرة، كانت فرصة بالنسبة لي كي أنظر إلى المجتمع الكبير ضمن مجتمع صغير وهو مجتمع الرياضة، واستكشاف مظاهر الفساد في المجتمع الكبير من خلال المجتمع الصغير، فما عاشته كرة القدم التونسية من تحولات، من نظام الهواية إلى نظام الإحتراف.. هو صورة أيضا من تحول المجتمع التونسي، في مستوى العقليات، في مستوى الأحياء وجغرافية التونسيين الذين يتحركون فيها... فما يجمع هذا كله هو هذه التحولات، هنالك تحول يخفق تماما وهو تحول من مجرد صحفي يخدم آلة السلطة إلى صحفي يحقق في القضايا تحقيقا يكشف له أنّ مجرد حادث يصلح لجريدة في صفحات المحاكم يصبح يحمل أبعادا أخرى أشدّ تعقيدا: أبعاد سياسية واقتصادية، ملامح من الفساد الاجتماعي.. فهذا التحقيق المستحيل هو إعلان إخفاق الإعلام على أن يكشف حقيقة تحولات المجتمع، هنالك إخفاق ثان في عالم الرياضة وهو أنّ سطوة رأس المال وهيمنتها على هذا العالم سيجعل كل شيء موجها للفرجة دون المتعة الحقيقية التي تمنحها الرياضة والقيم التي تدّعي الرياضة في الأصل أنها تسعى إلى تحقيقها.. الأمر الثالث هو تحولات منظومة القيم الاجتماعية وخروج المجتمع من ضرب من التوازن إلى نوع من الاضطراب الذي يعمّق الفساد ويعمق الانحراف وأزمات الأفراد والمجموعات داخل المجتمع..

• هل برواية باغندا أردت أن توسع قاعدة قرائك وتجلب جمهور الرياضة؟
كان يمكن أن تسألينني، سؤالا معاكسا، هل أردت بهذه الرواية أن تطرد قراءك الذين لا يحبون الرياضة، في الحقيقة اختيار موضوع الرياضة قليل في الأدب بصراحة، شخصيا لا أعرف أعمالا كثيرة في هذا، ومقاربات الروائيين الآخرين مختلفة عن المقاربة التي اعتمدتها أنا.. المشكلة في تناول موضوع الرياضة، أنّ من يحبون الرياضة عادة لا يقرؤون، ومن يطالعون الروايات عادة لا يحبون الرياضة، ولكن أن ننظر إلى رواية باغندا من جهة موضوعها فقط وهو الرياضة لا يخلو هذا من إجحاف، لأنّ الرياضة مستوى وراءه المستوى الإجتماعي الأعم وهو تحولات المجتمع.. وننسى نحن دور الرياضة الأساسي في حد ذاته فهي كما قال أحد أبطال الرواية، إنها اليوم أفيون الشعوب، بطبيعة الحال هذه الفكرة موجودة.. والذين يذهبون إلى ملاعب كرة القدم في العالم هم أكثر عددا من المتدينين، هذا الدين الجديد مهم أن ننظر إليه وأن نفهم آلياته، ونفهم خصائص عالمه..

• ما هي رمزية انتهاء باغندا سجينا في مستشفى الرازي واحتراقها يوم 7 نوفمبر، ولماذا هذا الهوس بـ7 نوفمبر الذي نجده في العديد من أقاصيصك وفي رواية الطلياني أيضا؟
(يضحك).. ليست قضية هوس بـ7 نوفمبر ولكن مهما يكن موقفنا السياسي أو تحليلنا التاريخي لـ7 نوفمبر ومالاته، لا يختلف إثنان أنه نقطة مفصلية في تاريخ تونس المعاصرة، ينبغي أن نبين هذا وأن نقول هذا لا مديحا ولا ذما.. بالنسبة إلي تاريخ 7نوفمبر هو مجرد علامة من علامات تحول في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والفترة التي اشتغلت عليها في جل ما كتبت ترتبط بهذا اليوم الذي استطاع أن يولّد عقلية كاملة هي عقلية 7 نوفمبر وأن يولد أزمات لاحقة وأن يمكن فردا واحدا من أن يغير المجتمع التونسي في اتجاه الإستبداد الواضح المرتبط بالفساد، هذا كله بالنسبة للروائي مادة ثرية لم تكتب.. تحتاج إلى كتابة وتأمل وتحقيق..

بالنسبة إلى نهاية باغندا هذا أيضا أمر مهم فوفاة باغندا في مستشفى الرازي يبدو شيئا غريبا وفي الحقيقة أول رواية تونسية أراها انتهى صاحبها في الرازي هي رواية سعادته السيد الوزير لحسين الواد.. بعد الثورة ظهرت شهادات عديدة عن أناس يقع وضعهم في الرازي على اعتبار أنهم مجانين، إما لأنهم معارضون ووقعت أيضا لبعض الذين يدفعون للاعتداء على الناس من قبل جهات متنفذة ولكن لأنقاذهم وحتى لا يحاكمون يزجّ بهم في «الرازي» إذن الرازي ليس مستشفى مجانين فقط بل هو أيضا أستعمل في فترات ما من تاريخ تونس بحسب شهادات موثقة، استعمل إما لمعاقبة المعارضين أو لإنقاذ العملاء الذين يكلفون بمهام قذرة وفي هذا السياق أعتقد أنّ وجود الرازي في كتابتي السردية نوع من تحميل هذا المستشفى جزءا من رمزية الاستبداد وعلامات الاستبداد...

• كيف ترى المرحلة السياسية المقبلة؟
صعبة وأقول هذا مثل كل الناس، ولكن الصعوبة لا تتأتى من عوامل داخلية فقط بل من توجسي خيفة، من كل ما يأتي من صندوق النقد الدولي، فحيث ما ذهب هذا الصندوق وفي أي بلد يقدم توصياته إلا ودمر ذلك البلد وهذا عبر تاريخه، لا أعرف بلدا نما وتطور وتجاوز أزماته حين يتدخل صندوق النقد الدولي والأمثلة هنا عديدة جدا، ثم لنا طبقة سياسية للأسف هزيلة جدا وعاجزة على أن تتخلص من نظرتها الضيقة وإن كانت كلها تدعي الوطنية ولكن الوطنية ليست شعارا أو شعورا، بل هي أفعال.. على الجميع أن يكف عن النظرة الحانوتية للبلاد.. فما ينقص البلاد هو مشروع وطني جامع وحقيقي ينبني على تصورات حقيقية، الأرجح أنّ الصعوبات الداخلية في إعادة بناء التوازن بين الدولة والمجتمع المدني والمنظمات والأحزاب وغيره من جهة ووقوع تونس في براثن التداين، كل هذا يجعل الآفاق تقريبا لا تدعو إلى الكثير من التفاؤل..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا