أرشاق: «اسْقِ وَرْدَةً ...حينَ تيْنعُ لا تَطْمعْ في اُلّْرّحيق» ( لقاء عفوي مع الشاعر المناضل كمال الغالي)

التقيت للمرة الثانية بالسيد الشاعر كمال الغالي في مدينة «حضرموت» التونسية / سوسة الساحلية لنستكمل «اللقاء» معه حول «تجربة الشعر النضالي / الملتزم» في تونس السبعينات والثمانينات من القرن الآفل , كنت قلقا ومتوترا من أخبار الموت الآتية من هنا وهنا ك وسرعان ما طارت

بي أطيار ذاكرتي لتحط بي عند أحرف كان قد خطها ابن حورية / محمود درويش في افتتاحية مجلة الكرمل ذات سنة حين رحيل «البدوي الأحمر» محمد الماغوط :
يقول محمود درويش :» غريب هو الشعر , غريب ومفاجئ كأنه يولد في البداية عندما لا يعرف قائله أنّ ما يقوله شعر ..بل هو تعبير عفوي عن ذات تصرخ أو تهمس بكلمات غير مألوفة , تتدفق على رسلها فتدهشنا ونقول هذا شعر ونعيد النظر في ما ألفنا من تعريف سابق للشعر ..»

- هل كان السيد الشاعر كمال الغالي يعرف أن ما يقوله شعرا ؟

- أبدا ... أبدا . حين لحّن لي صديقي الراحل الصادق بوفارس (1975 /1976 ) بعض الكلمات أدركت أن في الأمر شعرا:

هل تتذكّر تلك الكلمات ؟
« لو كان الكلمة تشد تعصرها
تهبط قطرة اتجي اتحلللها
تلقى عَبرة وفيها عِبرة
يا سامع ليك غنانا
انقولوه جهار بهار
انقلوه بكل رزانة
وتثبيت في الافكار
انقولوه للشبيبة والعامل والفلاح
تونسنا علينا حبيبة تعاني من الاجراح
والدمعه عليها سكيبة ما تواتينا الافراح »

لقد تأكدتُ فعلا ... وفعلا أن في الأمر شعرا حين التقيتُ لاحقا بالمولدي زليلة أصيل قرقنه / الجزيرة الرّمز والمشهور «بعمي خميس», صاحب رائعة « بابور زمرّ » التي ابدع فيها الراحل النبيل هادي قلة تلحينا وأداء ويعود الفضل في لقائي بالشاعر ابن الجزيرة المناضلة الى صديقيّ : رضا الصانع والراحل المنوبي الكامل وكانا قد عادا للتو ونهائيا من فرنسا .

• ما حكايتك مع فرنسا ..؟
لقد كانت فرنسا,, نعم فرنسا وباريس تحديدا أسطورة في المخيال الشبابي بمثابة المكان المحلوم به من قبل أغلبية الشباب الحالم من التونسيين...وشخصيا كنت أعي بتناقض غريب داخلي هو بمثابة التمزق الوجداني بين صورة فرنسا الأمبريالية الجارحة وبين فرنسا الأدبية والحضارية الشاعرة . دماء الجزائيين لا تزال في ذاكرتي ساخنة ... وشهداء الوطن في بنزرت تحديدا ... آه ذهبت الى بلاد الشاعر الخليع الرائع أرتير رمبو والفوضوية الجميلة ايديت بياف , ذهبت اضطرارا وليس رغبة ولا اختيارا

• هل تقصد أنك ذهبت فرارا ؟
نعم... نعم «فرارا» ويحدث للشجاع أن يفر اذا كان عارفا بحكمة الكر والفر لقد, فررت فعلا من تونس , سعيا وراء رغبتي في التحصيل العلمي ذلك أنني حرمت من مواصلة دراستي الجامعية بكلية الآداب لأن الباكالوريا التي حصلت عليها كانت «باكالوريا رياضيات» في حين أن الجامعات الفرنسية تسمح بما لا تسمح به الجامعة التونسية ...

• بأي الجامعات الفرنسية التحقت ؟
لقد التحقت بجامعة « كاين » بمنطقة النورمندي « وبجامعة الصوربون الجديدة » , و«بالمعهد الوطني لّلغات والحضارات الشرقية» وتابعت دروسا ومحاضرات في علم الاجتماع واللغة العربية والحضارة الاسلامية .. وان كانت شهادتي الجامعية النهائية في « المحاسبة والتصرف » وهي مهنتي التي بها أعيش وان أنا حاصل على شهادة «في التنشيط التربوي شبه المدرسي».

• من من « الرؤوس المفكّرة » التي درستك أو تابعت دروسها ومحاضراتها ؟
- أذكر على سبيل المثال : عالم الإجتماع (ألان كايي)، والأستاذ المميز التونسي محمد صالح الحمروني ..

• كيف كانت صورة الطالب التونسي في الجامعات الفرنسية ؟
لقد كانت صورة رائعة - في الأغلب الأعم - وذلك لجديتهم في الدراسة وتكوينهم البيداغوجي المتين حتى مقارنة بالطلبة الفرنسيين أنفسهم والطلبة الوافدين من العرب وسواهم ... بالرغم من عسر ظروفهم المادية _ المعيشية حتى أن الاغلبية الساحقة كانت تكد وتكدح في الليل لتضمن لها الحد الأدنى للدراسة في النهار .

• هذا ليس غريبا على التونسسيين لقد كانوا دائما طلاب علم ومعرفة رغم قلة ذات اليد .. فماذا عن نشاطكم الثقافي هناك ؟
كان نشاطنا الثقافي يتم في اطار «الهياكل النقابية المؤقتة للإتحاد العام لطلبة تونس» و«اتحاد العمال المهاجرين التونسيين» وكان نشاطنا متناغما مع مجموع التحركات الإجتماعيّة في تونس الوطن وقد شاركتُ في التظاهرات الثقافية في كل من فرنسا وبلجيكا ..

• من أبرز الفاعلين في هذا الشأن ؟
كان ثمة من تونس الشاعر كمال قَطْعة صاحب ديوان يتيم «الطيور لا يُقعدها الارتحال» المنشور في باريس, و قد كنا نقيم الأمسيات في الجامعة التونسية في أواخر السبعينات صحبة صديقنا الرقيق محمد الطاهر الضيفاوي . ومن بين الناشطين الراحل الحقوقي و الشاعر الروائي محمد الغزالي والفنان محمد بحر وشاكر ليمان والمسرحي فتحي سعد الله ومن فلسطين الفنان مصطفى الكرد ومن العراق فوزي العايدي ومن المغرب سعيد المغربي وكمال ونجيب وقد أسسا لاحقا فرقة «وشم» ... في هولاندا . و عندما تراجع النشاط الثقافي فجر الالفية الثالثة نظمتُ « مسامرات الغالي » في كل من تونس وفرنسا وقد شاركني كل من صديقي الشاعر كمال بوعجيلة والموسيقي طارق معتوق والفنانين الفلسطيني نسيم الدغم و السوري حمام خيري والجزائرية نادية ريان والتونسية عبير النصراوي والشاعرة التونسية هدى الزكري والفنان التونسي محمد نصري .. وغيرهم

يبدو أننا وقعنا في غفلة - في الحوار السابق ( جريدة المغرب الجمعة 2/9/ 2016 ) - حين نسبنا تلحين أغنية « ياأمي لا تبكي « الى الفنان نبراس شمّام وقد استدرك علينا و على طريقته صديقنا الحميم / الفنان خالد الحمروني وهو من قام بتلحينها وليس نبراس شمام . وها نحن نستدرك بدورنا معتذرين له على هذا السّهو ..

• كيف تشكلت في ذهنك فكرة الأدب الملتزم ؟
لقد كانت البداية مع المسرح في اطار ما اسميناه « الجبهة الثقافية » بمدينة قصر هلال - الساحل التونسي - المتكونة من الفاعلين في نادي السينما والنادي الادبي الهلالي وفرقة الأمل المسرحي التي تحصلت على جوائز جهوية ووطنية لكنها مُنعت من النشاط اثر انتفاضة عاملات وعمال النسيج بقصر هلال التي قُمعت شرّ قمع من قبل الشرطة والجيش في أكتوبر 1977 مما جعلنا نعمل على تفادي شُرَطِ الرّقابة بتركيز نشاطي الشخصي على الشعر. والشعر الملتزم تحديدا وأستحسن تسمية «الشعر الـمُنْحاز » على غيرها من التسميات كما تسمية «الشعر الملتزم» ؟

• ما الذي يبرر قلقك الشخصي من تسمية «الشعر الملتزم» ؟
لأن مفردة « الإلتزام » تعني الإنضباط لشروط وقواعد يمليها الآخر على الذات الشاعرة في حين أن الإنحياز يتضمن ضمن ما يتضمن الاختيار الإرادي الدفاعَ والوقوفَ الى جانب قضايا التحرر والإنعتاق طبقيا و وطنيا و أمـمـيّا .

• هل تتذكر بعض المسرحيات والمسرحيين ممثلات وممثلين ؟
أذكر من المسرحيات .. مسرحية « السلطان والغريب » التي كتبها الفلسطيني الرائع رشاد ابو شاور وتيمتها الثورة على الإستبداد السلطاني .. وأذكر تماما مسرحية « واحترقت الخبزة » والتي استلهمتُها من أقصوصة للكاتب والأديب التونسي الكبير حسن نصر باقتراح من صديقي الأستاذ الشاعر صالح النباوي وأذكر ضمن من أذكر من الممثلات : فوزية حمودة ومن الممثلين رضا عمار. واذكر من المخرجين أستاذ العربية : المنصف بالحاج سالم الذي قام باخراج مسرحية :« السلطان والغريب » .

• هل جربت الخشبة ممثلا ؟
حين كان عمري 7 سنوات أصعدني أخي الهادي على ركح « دار الشعب » بالمزونه وقد مثلت ضمن فرقتها

• هل تذكر دورك ؟
لقد قمت بدور الإبن .لكني نسيت المسرحية .

• هل كانت بالدارجة أم بالعربية ؟
لقد كانت المسرحية بالعربية الفصحى .

• وماذا مثلت أيضا ...؟
لقد مثلت أيضا في 1970 مع « فرقة الأمل المسرحي بالمحرس» ومن هنا جاءت تسمية فرقة « الأمل المسرحي « بقصر هلال . وقد سبق أن تحصلت على جائزة وطنية للتمثيل الفردي على دور « المتسول » في مسرحية « السلطان والغريب», - عمري 17 سنة - جائزة مكنتني من الاقامة الفنية بمهرجان « أفينيون الدولي للمسرح » ( فرنسا / 1976 ).

• نشاطكم الثقافي كفرقة مسرحية كان ضمن سياق مسرحي / سينمائي شامل كانت قد شهدته تونس فأي من الفرق كنتم تتعاملون معها أو هي تشكل رافدا معنويا بحضورها في المشهد كقدوة ..؟
كنا نتعامل جهويا مع جمعية « الشباب المسرحي» بحمام سوسة . ومع الفرقة الفرنسية/ التونسية بسوسة المدينة المتكونه من تونسيين وفرنسيين ووطنيا كانت « فرقة الحبيب حداد بباجة» وفرقة سليانة بقيادة محمد المديوني ولاحقا علي بوستة .. وفرقة « جندوبة » بقيادة نور الدين الورغي وفرقة « مسرح الجنوب » بقفصة...

• أي مقام للقلب والحب في هذا الترحال الجغرافي والثقافي ؟
بقدر ما شاكسني الحب وهزمني فقد كان دائما المحرك الأساسي لأُبعث من جديد بعد كل عثرة عاطفية وكبْوة ...
« اسق وردة ...
حين تينع لا تطمعْ في الرحيق
سقيت الكثيرين
لما نويت ارتوي جف ريقي »

• هل حقا أن «الفقر لا يملك ما به يغذي الحب»
كما كان يقول الشاعر الطريد أوفيد .؟
لا ليس دائما .

• أليس الإغتراب العاطفي زمن المعبود المالي أعنف أشكال الإغتراب كما يقول ماركس؟
الإغتراب العاطفي اغتراب مُركّب ومُربك .

• كيف تفسر تزايد منسوب المنتحرات والمنتحرين في تونس منذ «زمن الثورة ؟
انها الخيبة القصوى وضياع البوصلة . وانسداد الأفق ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا