النحات وأستاذ الفنون التشكيلية عبدالله أبو العباس لـ«المغرب»: ما نعيشه في تونس هو غياب سوق فعلية للفن...

حدّثنا عبدالله أبو العباس عن واقع النحت التونسي المعاصر، وقيّم منحوتة الشاعر الراحل الصغير أولاد أحمد في الحمامات التي أثارت جدلا مؤخرا، كما اعتبر أنّ هناك غيابا لسوق فعلية للفن، واعتبر أنّ السوق التي لا تكشف عن قوانينها يحكمها الاحتكار والتعتيم على حدّ تعبيره.

• بوصفك نحاتا وأستاذ فنون تشكيلية وقمت بالعديد من المعارض في تونس والخارج، كيف ترى منحوتة الشاعر الراحل الصغير أولاد أحمد في الحمامات؟
كشفت تنصيبة الفنانة صديقة كسكاس التي شُيّدت استلهاما من أشعار وسيرة الشّاعر الرّاحل الصّغير أولاد أحمد بُؤس السّاحة الثّقافية وحال النحت المعاصر في تونس إضافة إلى ما يُعانيه هذا الضرب التعبيري من مشاكل وهنات لم يستطع قطاع الفنون التّشكيلية تخطّيها رغم قِدم التّجربة تاريخيا، كذلك عجز الهياكل المنظّمة له والمدافعة عنه إلى جانب دعم الوزارة و سُلط الإشراف، هذا فضلا عن تعدّد معاهد التّعليم العالي للفنون والحرف
لقد تابعت ما كتُب وما تمّ تبادله من بيانات وتوضيحات وتراشق بالتقصير أو غياب في الفهم إلى درجة السّخرية والازدراء بين من كتبوا ونشروا وبين الملاحظين وصاحبة العمل فتيقّنت يقينا لا شك ّفيه أن المُشكل يكمن في تبادل دُيون قديمة وتصفية ضغائن مجهولة السبب تجاه الإنجاز فحتى لو لم تكن صديقة كسكاس هي صاحبة العمل فإن منوال الحديث لن يخرج عماّ تم ّتوصيفه وذكره..
هذه الأيام صار منطق التقّزيم و تجريد الأشياء من معناها و قيمتها معدن الخطاب النقدي سواء في الشعر أو النحت والأمثلة عديدة..

• وكيف يكون التقييم للعمل التشكيلي إذن؟
أول شروط نقد العمل النّحتي،الاطلاع العيني المباشر ولا يمكن الحديث عن نقد دُون هذه الشّروط و أنا ألاحظ أن أغلب من استعر لديه عويل الغيرة وجلبة الاحتجاج لم يتنقّل أو يكلّف نفسه عناء الذّهاب والمرور جانب التنصيبة بل نجده مكتفيا بكوّة الهواتف الجوالة والصور الرديئة التي تصله من صفحات التواصل الرقمي أي أن علاقته بالمنجز منقوصة ومشلولة وكل أحكامه مبنية على وهم الوهم يزيدها عدم المعرفة بحيثيات النحت وتقنياته هوانا غير محدود الطرف ففي ما قرأت وجدت من لا يُفرّق بين الحجر الطبيعي والحجر الإصطناعي ويخلط بين التأويل والوصف ويسقط في دوامة معايير جمالية تخصّ الفنون الزمنية ولا تمت بصلة إلى الفنون المكانية ولا نتحدث عن الذين استعادوا حمية القبيلة وعقدة داحس والغبراء غابت أمامهم كل الصور إلا صور آلهة الجاهلية عند العرب.

ثانيا يجب التجرّد من فٌوبيا المحاسبة والمعاقبة وكابوس المال العام فلا يخفى عن أحد أن أغلب التّعليقات جاءت مُنادية بفتح تحقيق واستلامه وهذا ناتج عن خلط بين الرؤية النقدية التي تهتم بمشاكل الفن وبين الرؤية التي تقطع مع التقبّل لذا وجب التفريق بين نقد العمل الفني كمنجز تعبيري حر وبين التراتيب الإدارية التي مرّبها في مرحلته الإنشائية وهذا دور مراقب المصاريف ومعاونيه وليس دور الناّقد الفني..
كذلك لا بدّ من الخروج من معيار القبح والجمال فأغلب التّعليقات لم تبرح منطق الأخذ بمعيار ‘القبح والجمال» كسبيل وحيد لقراءة العمل الفني ولم تغادر حكم المُطابقة والمشابهة والغريب أنّها جاءت من بعض المختصين والاكاديميين وكأنّ لا وجود لتعبير خارج المُماثلة والنسخ. إضافة إلى بناء تقييمات انطلاقا من ردود فعل المشاهد الافتراضي والمتصفّح العابر للصور، هنا نذكّر بتاريخ الفن وأسُوق ُبعض الأمثلة التي جابهت ذات المصير بدءا من أعمال صالون المرفوضات إلى تمثال بلزاك الذي أنجزه رودان أو تمثال النحات كاربو الذي تعرّض الى تلطيخ بالحبر الأسود كتعبير عن الاستهجان و الرفض، أيضا نتذكّر جميع المواقف التي واجهها إيفل عندما شيّد برجه الشهير والذي تحول اليوم إلى رمز وأيقونة لأهم العواصم الأوروبية باريس..

• كيف ترى واقع الفنون التشكلية في تونس؟
ما يحزّ في النفس وبعد مرور ما يناهز القرن على تجربة النّحت الحديث بتونس، مازال الحال كما كان أو أسوأ بكثير ومازالت البلاد عاجزة عن خلق أسماءغير التي غيبها الموت أو غيبها التجاهل ّ أسماء تتجاوز حدود الوطن وتنفرد بأسلوب يخصّها رغم ما تضخّه وزارة الاشراف من مال وما ترصده من إقامات وسفريات وبعثات ثقافية إلى جانب تناسل الجامعات وتكاثرها وضخامة عدد رسائل الدكتوراه المنجزة في هذا المجال والمحاولات المنفردة لبعض الذين وهبوا حياتهم لأ جل هذا القطاع وتحملوا مسؤوليات تعجز عنها الجبال الرواسي.
ما نعيشه في تونس يتلخّص في الآتي:هو غياب سوق فعلية للفن ،كل ما نملكه سوق لا تكشف عن قوانينها ،يحكمها الاحتكار والتعتيم إلى جانب عدم التصريح بما يقع تداوله لأنها بإختصار: نشاط كمالي لبعض العائلات الثرية التي تُلزم الفنان بذوقها و لها من القدرة على تحويل أبسط الآثار إلى مادة مطلوبة ومرغوبة للمناقصة والتبادل عكس الدول الغربية أين تجد يوميا ما يشبه البورصة المحينة والتي تنشر بالتدقيق قيمة عمل الفنان التي ترتفع وتنخفض حسب الطلب والتداول ..

• كيف ترى تعاطي وزارة الثقافة مع الفن التشكيلي؟
على الوزارة أن تعيد النظر في الدعم و طرق توزيعه و كذلك سَن قانون واضح للمناقصات الفنية وما تشمله من صفقات عمومية تشريعا وتنفيذا وتفكّر في قانون يحمي منجزات المبدع وأن نكفّ عن ركوب موجة التقزيم والهدم واثارة لعبة قنص الخطيئة بين الفنان والناقد هذه اللعّبة التي لا تخلق إلا إبادة روحية للقيم وتحنيطا للخلق والمبادرة لان الكمال صفة مطلقة لسنا مطالبين ببلوغها لا في المعرفة بالشيء أو في ما يتطلبه الشيء من قول وتوصيف.

• ما هي انتظاراتك من وزير الثقافة الجديد؟
ننتظر من الوزير الجديد أن يؤمن بمشروعه الذي جاء من اجله وان ينتصر الى روح الموسيقى فيجنبنا القرارات التي تذوب تحت خوافض الواقع تماما كما في المقامات ان يخلص الوزارة من دور الصندوق الذي يدعم دون مقابل وان يفتح ملف المركبات الثقافية التي اصبحت مؤسسات تنشط ضد المبدع وتهتم بما لا يخدم الجهة التي اقيمت لاجلها انتظر و ككل مبدع ان يكون الوزير منتصرا للشعر والمسرح والفنون التشكيلية وان يفكر في مشاكل السينما والكتاب اما الامور الادارية فهي شكلية وواضحة كل ما تتطلبه هو ايمان المواطن بمعقولية ومنطق القانون الدور المشترك والوزارة هي انعكاس للاشخاص الذين يرتبطون بها بقي ان اشير الى ان الثقافة ليست مادة جاهزة أو ارثا معنويا جاهزا للتوزيع انها بناء جمعي يشترك فيه السياسي والمواطن و تنعكس نتائجه على قدر المصداقية و الثقة المتبادلة انطلق في البناء و لك الثقة ولنا الايام كي نقبل او نرفض فبلدنا انهك بما يكفي والمسؤولية تستوجب العمل ولا شيء غيره.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا