المنتج نجيب عياد لـ«المغرب»: مشكلتنا في تونس أننا دائما نضيع الفرص التاريخية.. ووزارة الثقافة غير مؤهلة للخلق والإبداع

• لماذا لا ينخرط رجال الأعمال في تونس في إنتاج الأعمال الثقافية؟
رجال الأعمال ونسائه لديهم توجه أصلي وهو أنّ من يضع ماله في مشروع ما يجب أن يرجع هذا المال مع الربح، أو أنهم يعطون «مهبة» أو هدية لا يريد منها جزاء ولا شكورا، في بعض الأحيان أكون منهم.. اليوم لدينا إشكال في القطاعات الثقافية التي

ينبثق منها مجال للاستثمار، وهما بالأساس السينما والتلفزيون.. مع الأسف رجال الأعمال لا يرون في هذه القطاعات مجالا للأرباح..

• نعرف كلنا أنّ أقل ميزانية هي ميزانية وزارة الثقافة، لكن هل يعني هذا غياب مشروع ثقافي واضح المعالم يدفع للاستثمار الثقافي؟
الخلل موجود في وزارة الثقافة وفي المتعاملين مع هذه الوزارة، أنا ضد التواكل، للأسف وزارة الثقافة أصبحت وزارة شؤون اجتماعية، بمعنى أن وزارة الثقافة يجب أن تعطي.. لمن له القدرة ولمن ليس له ذلك.. بالنسبة لي هنالك من يستحق الدعم وهنالك من لا يستحق..

كنت أنتظر أن يستفيق الناس بعد الثورة ويطلقون العنان للمبادرة، وهي الأهم.. لكن للأسف أصبح التواكل هو الأساس.. يجب ترشيد الدعم، وزارة الثقافة لا تملك مقاييس مضبوطة لهذا..أو حتى مقاييسها المضبوطة هي بالأساس مقاييس إدارية وليست لديها علاقة بالخلق والإبداع والإضافة على المستوى الثقافي.. الثقافة هي التشجيع على الإبداع، والدفع نحو مرونة الإدارة أمام المبدعين.. من يقصد الإدارة وله ملف وكأنه ذاهب لعقاب شديد.. يجب أن تكون لدينا إدارة إلكترونية، كذلك يجب أن نقلّص من الشروط الإدارية ونرفّع من الشروط الثقافية والفنية والفكرية.. أنا مخضرم، من بداية السبعينات وأنا أتعامل مع وزارة الثقافة.. عندما ترى مديري تلك الحقبة وحتى منتصف الثمانينيات بالأساس ترى أشخاصا في درجة كبيرة من القيمة والثقافة والفكر والإبداع.. كانوا يغلّبون الثقافي على الإداري، هذا لم يعد موجودا اليوم.. فأغلب المسؤولين في هذه الوزارة اليوم هم إداريون بالأساس..

• وبالنسبة لقطاع السينما؟
أهم شيء بالنسبة لي هو المبادرة، أنا دائما أقول، في السينما مثلا، نحن لسنا بحاجة إلى مال، بل إلى محيط اقتصادي وثقافي يدفعنا للأمام، نحن بحاجة لقوانين تشجع على الاستثمار الثقافي..
قاعات السينما في تونس أمرها محزن، نحن نطلب إطارا تشريعيا يدفع للإستثمار في هذا المجال كإستثمار ثقافي وليس تجاري.. مثلا هنالك العديد من الفضاءات المهيئة من الدولة المخصصة للثقافة، والتي ليس لنا الحق في استعمالها.. وتبقى دون انتاج إلى أن يملؤها الغبار.. رجال الأعمال في تونس أو خارجها مستعدون للاستثمار في قاعات السينما لأنه عمل مربح ولكن مشكلتنا اليوم هي القانون، لدينا قانون يقول أنّ قاعة السينما هي عمل ثقافي في ذاتها لكن مجردّ أن تفتح بجانبها «حمّاص»، تصبح نشاط تجاري، إذا الأرض التي كانت ستباع بالسعر الرمزي تباع بسعر مرتفع، إذن قوانين تشجيع الثقافة تنمحي وتنطبق عليك القوانين المتعلقة بالتجارة.. عندما يتغير هذا القانون يتغير كل شيء..

• ألا تعتقد أنّ الخلل أيضا يتقاسمه ربما أهل السينما؟
بالنسبة لي أهل الثقافة ليست لديهم كلمة موحدة، اليوم في قطاع السينما لدينا قرابة العشرين جمعية، عوض أن ينظروا في نفس الإتجاه ويوحدون كلمتهم، يضربون بعضهم البعض.. اليوم نحن «نتناقرو في بعضنا والوزارة تعمل إلي في مخها»..
ولكني لا أخاف على المشهد الثقافي في السنوات القادمة، المشهد الثقافي برجاله ونسائه.. بين 2010 واليوم تضاعفت الفضاءات الثقافية ثلاث مرات، فالمبادرات موجودة.. أنا أخيّر أن تبقى الوزارة كإطار للمراقبة والتحكيم والدعم لمن يشتغل وتبتعد عن الخلق.. كوزارة غير مؤهلة للخلق والإبداع..

• تستعد سنيا مبارك إلى القيام بسلسلة مشاورات مع العديد من «الفاعلين» الثقافيين، كيف ترى هذه المشاورات والإقتراحات؟
أربعون سنة ونحن نكتب، أربعون سنة ونحن نجتمع ونقدّم الحلول، أربعون سنة ننتظر القرارات الجريئة.. كل الوزراء من السبعينيات إلى الآن، تكلمنا معهم، وأرسلنا لهم رؤيتنا في العمل الثقافي.. ومددناهم باقتراحات.. ولا حياة لمن تنادي.. بالنسبة لي الوزير الذي يريد أن يعمل يأخذ قرارات ثورية في المائة يوم الأولى.. إذا مرّت المائة يوم ولم ينجز الوزير شيئا فإنه لن ينجز أي شيء..

• لماذا لم نشاهدك في التلفزة الوطنية هذه السنة؟
بالنسبة لي التلفزة الوطنية دائما تبقى التلفزة الأم، شخصيا أعتز بهذه التلفزة لأنها أعطتني فرصتي.. هنالك العديد من الناس لا يعرفون أنه في وقت من الأوقات قمت بتقديم برنامج في التلفزة الوطنية «قضايا على الشاشة».. بالنسبة لي هذه التلفزة لديها أفضال عليا.. لكن وصلنا إلى مرحلة تشعر فيها أنه عندما تشتغل وتتقن عملك وتنجح (وعندما أنجح التلفزة الوطنية بدورها تنجح)، هنالك أناس يقلقهم هذا، وقالوا عني أني محتكر، قالوا عني كلاما لا يقال، أصبحت هنالك إضرابات جوع واعتصامات.. قالوا أنّ التلفزة الوطنية تلفزتهم وكأنها حكر عليهم، في حين هي تلفزة كل تونسي.. وملك للشعب التونسي، لذلك قررت أن أنسحب..

• لماذا لا نرى دراما إلا في رمضان؟
هذا موجود في كل الشاشات العربية وليس في تونس فقط، لسبب بسيط، في رمضان نسبة المشاهدة للتلفزات التونسية تصل إلى حدود 95 % في البرايم تايم خاصة.. و60 % من قيمة الإشهار تكون في شهر رمضان، و40 % بالنسبة لبقية العام..
أنا في هذا العام قمت بمغامرة لأنّي أنا من أنتجت هذا العمل، اخترت قناة هي الأولى في نسب المشاهدة، لو نجت هذه المغامرة سأوصل فيها.. أنا أشجّع بقية المنتجين لكي لا ينتظر أن تناديه التلفزة، ويبادر ويغامر.. يمكن أن تكون المغامرة ناجحة أو نصف ناجحة أو فاشلة.. إذا نجحت المغامرة بشكل جيد سأواصل في هذا التمشي وإذا نجحت بشكل متوسط سأواصل ولكن بتمشي آخر.. اليوم حان الوقت كي نبادر، وننسج على منوال المشرق.. 80 % هو من إنتاج المنتجين أنفسهم..

• كيف ترى مسلسل «فلاش باك»؟
«فلاش باك» راهنا فيه على الإنتاج.. كنت أستطيع أن أقدّم المسلسل لعدة قنوات، وكلهم اتصلوا بي بصراحة، فكرت كثيرا، جاءني اقتراح من الحوار التونسي وأعجبني الاقتراح.. فكان بها وانطلقنا مباشرة في هذا العمل.. هذا العمل كإنتاج يهمني كثيرا، فكرة السيناريو أنجزه فريق نسائي بحت، وأنا أراهن على المرأة التونسية.. أردنا أن نتحدّث عن الحب والرومنسية وعن مشاغل المواطن دون سياسة وعنف وكليشيات.. أردنا أن تجعل المشاهد يعيش في وقت مستقطع ويتصالح مع نفسه بنسق هادئ.. هذا كان تمشينا، هل سيتقبل الجمهور هذا؟ إلى حد الآن هو متقبل، هل سننجح؟ أرجو أن ننجح..

• ماهي أعمالك القادمة؟
فيلم وثائقي طويل مع عبد الله يحيا، بعنوان (الكاميرا الثالثة)، وفيلم وثائقي طويل لـلمين بوخريس بعنوان (عباد الله)، كذلك فيلم وثائقي قصير لعادل البكري وفيلم روائي طويل تونسي إيطالي لعادل بكري سيصور في سبتمبر بعنوان (شجرة المساء).. هذه مشاريعي المباشرة ..

أريد ان قول ان اليوم لدينا فرصة تاريخية على مستوى الصورة بصفة عامة، عدد الشباب الموجود في الساحة السينمائية والتلفزيونية عدد ضخم وفيهم شباب له كفاءة عالية ومواهب كبيرة.. اليوم لدينا قرابة 10 قنوات تلفزيونية.. يجب ان نشجع أهل هذه القنوات على الإنتاج.. نحن بلد غني جدا على المستوى الثقافي.. كل وقت نستطيع ان ننجز عصرا ذهبيا.. على مستوى السينما أفلامنا انتشرت وارتفعت واصبح لدينا جمهور عريض يجب ان لا نضيع هذه الفرصة الذهبية.. مشكلتنا في تونس أننا دائما نضيع الفرص التاريخية..

حاورته: سيماء المزوغي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا