من القرآن .. في الذكرى 1450 سنة لنزول القرآن العظيم «القيروان» وليلة الفتح القرآني الناعم

وانبلج الصبح وهبّت نسائم الأصيل وتعطّرت مسكا وتجدّد الفتح الناعم في ربوع مدينة القيروان وأرجائها..

اكفهر وجهها ذات مساء حين هرج أعداء الحياة ونشروا ألوية السواد وضجّوا بنعيق غربان الموت والترهيب وتلبّدت السحب الدهماء توحش القلوب الفزعة هي أيام لن تعود ..هي سحابة هزّتها نسمات الفتح ..
فتح جاء برمزيته في رقم أول مرور 1450 سنة على نزول النور من النور بالنور على النور ..نزول القرآن الكريم مفجّر العلوم ومنبعها، ودائرة شمسها ومطلعها، أودع فيه سبحانه وتعالى علم كل شيء، وأبان فيه كل هدْيٍ وغي. فترى كل ذي فن منه يستمد وعليه يعتمد..

مرور 1450 سنة على نزول آيات حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأرواح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها،

فتح جاء برمزيته في صورة أولى تنبجس من لؤلؤة القيروان وياقوتتها جامع عقبة بن نافع المعمور ..نعم صور القيروان» «رابعة الثلاث»..بعد مكة والمدينـة المنورة والقدس الشريف...صورة تعيد الحياة فتسمع الجامع بأضوائه ومحرابه وعرصاته ينادي أيا عقبة أيا قصّادي أيا روادي شيّدتموني وما نسيتموني ..أسعدتموني وما هجرتموني ونورتموني بالعرفان من أفواه العلماء الخلّص ...هلمّ إلى العهد نجدده ..والمجد نحييه ..
فتح جاء برمزيته ماسحا عنّا دموعا ذرفها «الحصري» ذات يوم باكيا القيروان حين خرّبت ..

أترى اللّيالي بعدما صَنَعَتْ بِنا* تَقْضِي لـنا بتواصلٍ وتدَانِ؟
وتعيدُ أرضَ القيروانِ كعَهدهِا*فيما مضى منْ سالفِ الأزمانِ
أمْسَتْ وقد لَعِبَ الزّمانُ بأهلِها* وتقطعْت ﺒهم عُرى الأقرانِ
فتفرَّقُوا أيْـدي سبأ وتشتّتوا * بَعدَ اجتماعِهِم على الأوطانِ
ولن نبكي القيروان ..ولن نبكي تونس ...سنبتسم بأفئدة عاشقة للحياة والعطاء ..

فتح جاء برمزيته في ليلة ذكرى غزوة بدر بنصرها وتربيتها وعزمها ونفحات الإيمان بالحقّ والحياة ..يوم 17 رمضان تاريخ مجيد أراد «الهمج» أن يجعلوه موعد الدم المسفوك والدموع والألم وأردناه موعد الحبّ والسلام والضياء ..
فتح جاء برمزيته وأهالي القيروان كرجل واحد يفتحون بيوتهم وقلوبهم للزائرين ما يناهز 5 آلاف من حفظة سيّد الكتب وأزكاها جاؤوا من كلّ فجّ عميق كرّم بعضهم من كبار السنّ اعترافا بالجميل لأهل الفضل وكرّم صغارهم ونسائهم تشجيعا وحثّا على الاستمرارية جاؤوا ليقولوا «هذه تونسنا التي نحبّ» وهذه رحاب تجمعنا تحت «واعتصموا» وما يناهز 15 ألفا من الزوار السعداء بعودة القيروان إلى زمن الفرحة ...المجموع 20 ألفا أو أزيد عانقوا آيات الذكر الحكيم سماعا وقراءة وتدبّرا..وطعموا وطافوا من جامع عقبة إلى بروطة إلى مقام الصحابي الجليل أبو زمعة البلوي (سيدي الصحبي) إلى الأسواق إلى محلاّت المقروض ...موج وفوج وسيل من التحدّي المشبع بنفس الحياة وتوق الآمال ..

فتح جاء برمزيته حين صدح المدّاح بالصلاة والسلام على سيّد الملاح –فرقة الأناشيد المقدسية الفلسطينية -من صدور تنفّست نسيمات المسجد الأقصى الذي ينادي ويمدّ يده المقدّسة لجامع القيروان في تودّد الأحبّة «صلوني صلة الواصلين» ففلسطين وتونس عروسان عليهما تيجان المجد ونياشين الودّ لن تسقط ولن تصدأ...وجامع عقبة والحرم الإبراهيمي فضاءان متعانقان توأمان لا انفصام بينهما

فتح جاء برمزيته ورموز الدولة في كلماتهم وحضورهم يعلنون أن لا محيد عن مدنية الوطن ولا تبديل لهويّة عريقة معتّقة ويصروّن على الانتصار –رغم كلّ شيء- على الإرهاب والرجعية .. هكذا تكلّم السياسي والإداري والأمني والمسؤول والمواطن بصوت واحد ..تحيا تونس في سلام ...وجاء «بيان القيروان « بيان السلام للعالم في رسالة من تونس الجمال لتنتشر رسومها في الأرجاء بروائحها العطرة ..

هذه احتفالية الفتح الناعم أشرقت فيها شمس القرآن ..وانمحق سراب السواد والإرهاب وانبسط النور في الرحاب ..غنّت أمواج البحار الزاخرة بمعزوفات الأمل والسلام ولانت الأنفاس وملئت الأباريق بماء الحياة نتذوّق منه وبه عذوبة تروينا من ماء البيان ،وتغدق على القلوب من فيض الرحمان رقة نستروح منها نسيم الجنان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا