دار الثقافة البير الأحمر: منحوتات زيد عسل.. أن تبعث الحياة في الخشب فتلك مهمة العظماء

يطوّع خشب الزيتون وتصنع منه منحوتاته وحكاياته، أحبّ أرضه وإختار قسوتها الجغرافية ليدخل منها الى تاريخ الفنون التشكيلية وتصبح أعماله فارقة في المشهد النحتي لتونس

زيد عسل نحات تونسي كتب مسيرته الفنية بالكثير من الحب والاجتهاد.
فنان حوّل اخشاب شجر الزيتون وقامات النخيل الى اعمال ابداعية تنقد الحاضر وتكتب سيرة الانسان والمكان، منحوتات يعرضها الفنان في بهو دار الثقافة البير الاحمر ضمن معرض فردي يقدّم لزوار الدار مساحة من الجمال.
النحت كما الخلق إبداع
النحت فن الولادة، فن خلق تحفة جمالية من اللاّشيء، فنّ بعث الجمال في قطعة خشب منسية أو جذع زيتون مرمي، يشارك النحات الخالق في عملية الخلق الجميلة، يشاركه في الإبداع من خلال التركيز على التفاصيل، النحات مثل الارض تهب النبتة الكثير من الجمال بعد صبر طويل كذلك زيد عسل ينجز منحوتاته بعد صبر وعمل ومجهود لتكون النتيجة ذلك الجمال وتلك الصيغة من الاسئلة والحيرة ومعالجة الواقع وقراءته فنيا، فالنحت فنّ السؤال كذلك.
زيد عسل فنان ابن مدينة تطاوين، هناك ترعرع وعرف الطبيعة وخصوصياتها، في مناخ جغرافي جاف وقاس كبر الطفل الفنان وهو يشاهد والده النجار يصنع ابداعاته الأولى، سكنته رائحة الخشب وأحبّ تلك الطريقة لبعث الحياة في الخشب المرمي، في جهته توجد الكثير من اشجار الزيتون الميتة، تلك الشجرة المعمّرة القوية بعد صراعاتها مع الجفاف وقسوة المناج وتأدية واجبها تعود الى تربتها، هامدة، وبيديه وأفكاره الابداعية يعيد النحات بعث الحياة فيها، فتتحول الزيتونة الميتة من مجرد كومة اعمدة الى تحفة فنية مرتفعة الثمن، عمل نحتي يحاكي الواقع ويجسد افكار الفنان المتفردة.
«زهرة الصمت» هي اولى المنحوتات في بهو دار الثقافة البير الأحمر تموجات سكنت خشب النخيل المعالج وهو المادة المستعملة في العمل، منحوتة تتماهى مع زهرة عباد الشمس او زهرة برية تتطاول على الأرض، بخيلاء، منحوتة شحنها النحات بطاقة من الحب وكأنها محاكاة لروحه المبدعة ولمسيرة اعوام عاند فيها الطبيعة وصلابة الخشب ليصبح بين يديه ليّنا، جميلا كما الصلصال بيد الاطفال.
«صوت الروح» منحوتة اخرى تخاطب ذات الفنان، خشب الزيتون مادته الأساسية، عالجه وهذّبه قبل ان ينهمك لمدة طويلة في كتابة تجوفات الروح وحكاياتها، منحوتة كانها صورة مجهرية عن ذات الانسان، تدفقات الحب وانكسارات الخوف، النجاح والهزيمة، ثنائيات الحياة والموت يحفرها النحات على الخشب، دوائر صغيرة الحجم، وتجوّفات ابدعت انامل النحات في حفرها على الخشب الصلب، هي محاكاة لقوة النحات وصبره أمام جذع هامد، وانتصار لقدرة الفنان على تجاوز مصاعب اليومي ليترك بصمته في تاريخ النحت في وطنه.
فنان يلامس الواقع وينقده بالفن
الفنان ابن بيئته، الفنان صوت مدينته ومنحوتات زيد عسل صوت للجهة وأصدائها، ومنحوتة «كآبة» و»غموض» هي قراءة فنية من قبل الفنان لواقع مدينته ووطنه، الكآبة التي عاشها التونسيون لأعوام، والغموض من حاضر ملامحه مشوهة هكذا قرأ حاضره وواقع ابناء شعبه فشاركهم الخوف بالنحت، انصت لكل الاصوات والحكايات وامتصتها انامله لتحولها الى منحوتات كبيرة الحجم صنعت من خشب النخيل وخشب الزيتون، مزيجا بين الحياة والفناء اتقن زيد عسل دمجها في اعمال نحتية تمثل جزء هام من الذاكرة التشكيلية التونسية.
يصنع عوالمه الابداعية الخاصة به، يشكل خشب النخيل والزيتون ويحولهما الى مادة فنية اولية ينطلق منها لكتابة افكاره، ينقد واقعه السياسي والاجتماعي عبر فنّه، منحوتات كبيرة الحجم تأخذ من صانعها الكثير من الوقت والجهد، سنوات العمر مرت في ممارسة النحت وملاعبة الخشب، يبعث الحياة في الخشب المرمي، ينفخ فيه من روحه ويعيد تشكيله ليصبح ذا قيمة فنية ومالية، اعمال زيد عسل النحات العاشق لفنه تمثل جزءا من الهوية الفنية للفنان ولجهته، يحول تطاوين الى منحوتات ثائرة حينا، متعبة احيانا وجميلة دائما، فاغلب اعماله لها خصوصية في الحفر وطريقة تشكيل التجويفات والتموجات المتماهية مع جبال ورمال الجنوب التونسي.
زيد عسل نحات، فنان له مجاله الابداعي الخاص به، كتب مسيرة فنية مسكونة بالحب والصدق في التعامل مع خشب الزيتون مادته الاولى ليبدع، كبر الطفل ليصبح نحاتا ذا علاقة خاصة مع الخشب، لازالت رائحة الخشب الندي تسكن ذاكرته العميقة فيهبّ ليبعث فيها الحياة لتصبح اجمل واكثر ابهار، زيد عسل نحات تونسي الجنسية عالمي الابداع، نحات عاشق لمهنته، تحول من دراسة الحقوق والقوانين الى صناعة قانونه الخاص «بعث الروح في الخشب الهامد» فتميز في عالم النحت واكد ان احلام الاطفال تتحقق دوما طالما كاغنت مسكونة بإرادة الحياة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا