معرض «وحدتك عالم مزدحم» لرؤوف ليسير ضمن المهرجان الوطني لمسرح التجريب: استكشاف للذات عبر اللون

تتماهى الألوان وتتباين الأفكار، تكتب الريشة الأفكار المختلفة والرؤى المتباينة وتسكنها بالكثير من الألوان، في بهو مركز الفنون الركحية مدنين

وفي إطار انفتاح مهرجان مسرح التجريب على الفنون الاخرى يقدم الفنان التشكيلي رؤوف ليسير معرضه الفني «وحدتك عالم مزدحم» ويضم 22لوحة.
هي حصيلة تجربة تشكيلية توغل في التجريب والبحث، رحلة الفنان رؤوف ليسير مع الألوان والقصص المتشابكة وحكايات الواقع يلتقطها ويحولها الى عوالمه التشكيلية ليصنع منها لوحاته مزيجا من الأفكار والألوان الصاخبة الناطقة بالأمل والنقد والجمال.
الوحدة وصخب الألوان
«عندما تعيش وحيدا منعزلا عن العالم تذكر ما كتبه البيريتي: وحدتك الآن هناك في عليائك ليست وحدة إنها تعجّ بالسكان بالأشياء والكائنات المرئية أبدا والتي تؤرخها كل يوم مانحا إياها عمر المستقبل، أنت في وحدتك عالم مزدحم» هكذا يقدم ليسير معرضه.
تتراكم الألوان والحكايات، داخل كل إنسان مزيج من المشاعر المختلفة، يتحد الخوف ويتماهى مع التلاشي، يجتمع الفرح والرهبة في الوقت ذاته، هذا «التراكم» نقلته ريشة رؤوف ليسير في ألوان نارية تماهى فيها الأحمر مع الأسود فكانت صرخة روح متألمة، أو روح تتوق للحب، روح تبحث في داخلها عن جمالها الخفي، هي امرأة حالمة وعاشقة، لوحة تماهى داخلها اللون الأحمر المسيطر على تفاصيلها مع القليل من الأزرق وتدرّجات اللون البني، نظرات منكسرة وحزينة وقلب احمر قان، حمرة لوعة الحب وصدقه، حمرة الخوف ربما رسمتها ريشة أتقن صاحبها المسك بألوانه جيدا فكانت «قلب احمر» لوحة تصرخ بالحب وتضج بالعنفوان مع حضور للخنفساء الحمراء «امي سيسي» أو دعسوقة الحظ في الميثيولوجيا الشعبية.
ألوان مبهرة، يسيطر الأخضر على اغلب العمل، تقسم الأجزاء إلى أكثر من حكاية، لوحة كأنها قصة حياة أو خلاصة تجربة، منها استمد المعرض اسمه «عالم مزدحم»، وجه طفلة صغيرة، رأس حيوان منطلق خارج العمل، جوارب صغيرة، إشارات ورموز كثيرة تشبه ما يسكن الدماغ البشري من فوضى أثناء التفكير، هذه الفوضى اللونية مزج بيها ليسير في لوحته فكانت الألوان متناسقة رغم اختلافها، ألوانه الربيعية تزين العمل وتسكنه بالحياة والأمل، عالم مزدحم هي كناية عما يعيشه الإنسان من تداخل للأفكار والمشاعر، محاولة لالتقاط بعض الهدوء وسط الفوضى اليومية، دعوة لتأمل الألوان الزاهية والتركيز معها لإنقاص شحنات التعب اليومي وإراحة العين والذاكرة البصرية لزوار المعرض، فاللوحة وطن صغير سكبه الفنان ألوانا وأحلاما.
بحث في الأنا عبر التشكيل
تمعنّ جيدا في داخلك، ابحث عن نورك الخفي ليضيء عتمتك الذاتية، الوحدة ليست بسجن بل عالم رحب من الحرية والانطلاق في معرفة الذات، حول عالما إلى ألوان زاهية تغري بمزيد الإنصات إلى همسات الروح وخفقات القلب فقلب الإنسان حديقة مبهرة مزهرة، ربيع دائم التقطه رؤوف ليسير في لوحته «شفاف» فكانت الروح خضراء وصفراء تناثرت أزهارها البرتقالية والزهرية مع مساحة من البياض تشبه الامتداد، عمل بتقنية الاكريليك استشف معه الرسام القلب الإنساني ونفخ فيه الكثير من الألوان.
يميل رؤوف ليسير في لوحاته إلى الترميز، يستنجد بالمعجم الحيواني في ابداعاته التشكيلية، يميل إلى السخرية السوداء من خلال رسومات الحيوانات، ينقد الواقع والتصريحات المختلفة من خلال لوحة «صرخة الحمار» لوحة تنقل صورة رجل يجلس على طاولته نصفه السفلي لإنسان وعوّض رأسه برأس حمار فاتحا فكيه، كأنها تجسيد للتصريحات الكثيرة والنقاشات المحتدة التي يعيشها التونسي ويمارسها، هي فوضى الكلام والأفكار كما رأتها ريشة رؤوف ليسير الفنان التشكيلي الموغلة أعماله في الفلسفة والنقد.
تتشابك الأفكار وتختلف الألوان، يحمل رؤوف ليسير جمهور معرض «وحدتك عالم مزدحم» الى عوالم كليلة ودمنة، فيرسم الاسد مفكرا والحمار ضاحكا والزرافة ذاهبة الى المدرسة، يصنع من عوالم الحيوان مادته التشكيلية يضفي عليها ألوانه ويدمجها بطريقة تمتع العين وتسكن الفكر بالاسئلة، لوحاته تشدّ انتباه الزائر ليتأملها ويكتشف أسرارها، لكل لوحة قراءات متعددة لكن تشترك جميعها في بصمة تشكيلية خاصة برؤوف ليسير عاشق الألوان والشغوف بالترميز في لوحاته.
«وحدتك عالم مزدحم» جولة تشكيلية لونية، رحلة لاكتشاف الذات والبحث فيها عن الأسرار والحكايات، تجربة تشكيلية تضع الإنسان أمام ذاته وأفكاره، يستكشف نفسه ويعري ذاتها من خلال الالوان، رحلة تجريبية وتجريدية يميل فيها ليسير إلى العوالم الفلسفية لفك الغاز الاعمال المقدمة، فلكل لوحة اسرارها ولكل لوحة شيفرات لونية معينة لقراءتها وفهمها.
في عوالم رؤوف ليسير تحلو الالون ومعها الجولة بين الواقعي والفلسفي، يتقن ملامسة اللون والخط والكولاج، فنان متلوّن قادر على توجيه الزائر وشده الى أعماله الصاخبة لونا وفكرة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا