عرض «محبة» لهيثم الحضيري وأصوات «أوبرا تونس»: الله محبة والموسيقى تتماهى مع روحه ومحبته

الله محبة، الله كلمة حلوة في قلوب الخاشعين وعلى ألسنة الحالمين، الله ليس دينا واحدا او موحدا فهو كلمة حبّ تختلف طريقة التعبير عنها

من شعب الى آخر، الى الانسان اينما كان على هذه البسيطة الى الانسان ايا كان لونه او دينه او عرقه الى الانسان المتسامح الحالم، الى الانسان القابل لثقافة لآخر والمتعايش معها اهدى هيثم الحضيري عرضه الموسيقي «محبة».
«محبة» عرض موسيقي صوفي يتغنّى بجمال الخالق وخشوع المخلوق، عرض تنتفي داخله الحدود بين الموسيقى والدين، عرض تونسي يناشد التسامح بين الاديان فتحضر التواشيح الاسلامية والتراتيل المسيحية والصلوات اليهودية في عرض موسيقي واحد من تصور هيثم الحضيري وتقديم اصوات اوبرا تونس.
الله منح الحب والموسيقى صوت المحبين
محبة كلمة من اربعة أحرف، ميمها مودة وحاؤها حبّ وباؤها بوح بتجليات العشق وتائها تونس ارض التقاء الحضارات والأديان، تونس ارض التعايش بين الحضارات على مرّ التاريخ، هذه الاحرف صنع منها هيثم الحضيري رحلة موسيقية صوفية، جولة جمعت واحدا وستين مغنيا ومغنية كورال وعشرة عازفين تقاسموا محبة الموسيقى وتشاركوا في لباس الابيض والاسود (قيمتين ضوئيتين تنفيان كل مقومات التمييز، فالالوان في اللباس لها رمزياتها ودلالاتها عند الشعوب)، اجتمع المشاركون على فكرة ان ليس للموسيقى دين ولا للنوتات ديانة واحدة موحدة فالموسيقى محبة تماما كما الله.
تنطلق ايقاعات الة الكمنجة ساحرة رقيقة، تعلن للجمهور ان الموعد مع الحب قد انطلق فاتركوا العقل جانبا وأطلقوا العنان لأرواحكم لتسافر الى عوالم اجمل وأكثر اتساعا، يجيبها رفيق الانين «الناي» معلنا هو الاخر ان الموسيقى بكل تجلياتها الروحية ستكون الطبق الرئيسي في سهرة رمضانية صوفية مختلفة.
ترتفع اصوات الجوقة، ايقاعات وأصوات تتماهى مع التراتيل الكنائسية، لوهلة ستشعر انك في الكنيسة تؤدي الصلاة وتمسك الكتاب المقدس، تنصت للتراتيل قبل ان يغنوا «طلع البدر علينا، من ثنيات الوداع» فالحضيري مزج بين الكلمات الدينية الاسلامية مع التراتيل المسيحية ليخاطب الروح ويدعوا انسانية الانسان فقط للإنصات، فالموسيقى بلسم للروح هي مطية هيثم الحضيري ليشاكس جميع الاديان وينصت الى روحها الجميلة ويقدم عرضه الموسيقي «محبة» المكتوب بكل محبّة.
تتمازج الايقاعات الموسيقية مع اصوات الكورال، يكتب البيانو صلواته الخاشعة جدا، يوغل في موسيقاه الكلاسيكية المغرية بمزيد الإنصات، ثمّ يجيبه صديقه العود العربي فيكتبان معا الياذة موسيقية غربية -عربية تتماهى مع اغنية «الليل زاهي، بالقمر ونجومه، وأنا زاهي بشيخي بابا سلومة»، كلمات تونسية، موسيقى عربية تمتزج مع الايقاعات الكلاسيكية الغربية، تسمو بالروح وتترك لها مساحة الترحال، فالعرض يشبه البساط السحري، يركبه المتفرج ليجوب بيوت الله جميعها، يتجول بين الكنائس حين تقرع نواقيسها، يستمتع برقة للائمة ترتّل القرآن في المساجد وينصت للحاخام يقرئ صلواته مع موسيقى «الشوفار» التي يعوضها الناي والكلارينات في العرض، جولة موسيقية تجمّع الأديان، نوتات تكشف جمالية الموسيقى متى خاطبت الروح وحطمت حواجز التطرف الديني.
«محبة» عرض موسيقي صوفي، عرض تونسي الانجاز ينتصر للموسيقى والانسان، جولة في رحاب الموسيقى الصوفية، اغان وتواشيح اسلامية يقدمها الكورال في خشوع مطلق فيذكرون الله «اللطيف» كما في الحزب اللطيف ويتغنون بجمال الرسول الكريم «طلع البدر علينا» ويخبرون الحضور بعظمة الخالق في «مولاي اني ببابك»، التواشيح ترافق الجمهور التونسي في شهر رمضان، مادة موسيقية صوفية طوّعها هيثم الحضيري والمجموعة الموسيقية وأعيد توزيع هذه الاغاني لتصبح ذات ايقاع كنائسي وتراتيل تتماهى مع لحظات خشوع المسيحيين اثناء صلواتهم وتتماهى ايضا مع صدق اليهودي في الكنيس، فالموسيقى تكون وسيلة الحضيري للمزج بين الاديان وإيقاعاتها، هو يخاطب الروح وينصت للإنسان ويؤمن بالتعايش السلمي بين جميع الاديان.
تعدد الاديان والإنسان واحد
ليس للموسيقى حدود فالموسيقى صوت الملائكة ورقصة الصادقين، امام الموسيقى تنتفي الحدود الجغرافية والدينية والعرقية، وحدها الموسيقى القادرة على مزج الثقافات والأديان في نوتة مميزة وموحدة، في المحبة يقدم الحضيري لكل نص سماويّ حقه في الظهور، يغنون الاغاني الدينية الصوفية الاسلامية فيرتفع صوت «البندير» ليعلن ان حان وقت الخشوع ويغنون «يا لطيف الصنع، سالناك بالقران ومن عليه نزل، الله لطيف بعباده، يا منتهى املي، وكنز رجائي، يا عمدتي في شدتي ورخائي، لقد وقت ببابك وقفة سائل، فآذن اللهم منك بالعطاء»
هذا الاله نفسه يناجيه المسيحي على انغام نفس ايقاعات البندير التي تمتزج مع رقة التشلو والكمنجة «اين اذهب من روحك وانت حاضرٌ اينما كان، اين اختبئُ من وجهك وعيناك اياي تبصران هل اتخذتُ اجنحة الصباح فهناك قلبك يلهمني، وان سكنت اقاصي المياه هناك يمينك تمسكني ،انت يارب عالم بي، وبكل خطوة من خطواتي، علمك رفيق لا يدرك ربي، وهو عجيب يفوق طاقتي».
وللنص اليهودي حضوره، تختلف الموسيقى فيسطير صوت الناي اكثر، تخشنّ الاصوات وترتفع النوتات كأنها صوت «الحزانوت» يناشد ربه خاشعا ويغني بصوت رخيم «يا سيد كل العالمين، ليكن مرضي من قبلكَ (يا) يهوه إلهنا وإله آبائنا، بشفاعة نشيد الأنشاد الذي قرأناه، والذي هو قدس الأقداس، بشفاعة آياته، بشفاعة فصوله، بشفاعة أحرفه، بشفاعة تشكيله، وبشفاعة تجويداته وتعبيراته ورموزه وأسراره المقدسة والطاهره المرهبة المنبثقه منه، لتكن هذه الساعة ساعة رحمة، ساعة إستماع، ساعة إنصات، وندعوك فتجيب، ونصلى إليك فتلبينا، ولتصعد أمامك قراءة نشيد الأنشاد كأنما بلغنا كل الأسرار الباهره والمرهبة المختومة والمكنونة بكل ثناياه»، هذا الاله يصلي له الافارقة بالغناء، يتقربون اليه بالرقص وإيقاعات جدّ صاخبة كما قدّم على ركح مسرح الجهات.
فالله الواحد، اليه ترحل الاصوات الخاشعة حاملة كتابها المقدس باختلافه من القران الى التوارة والانجيل، اختلفت الكتب السماوية ومعها طريقة التقرب الى الله لكن المتفق عليه هو قدرة الموسيقى على اختراق القلب وصناعتها لعالم مبهج ومميز، في الموسيقى تخشع الروح لخشوع الايقاعات ولصوت المؤدي، ربما لم يفهم الحضور بعض التراتيل او الصلوات، لكن رسالة الموسيقى تمس القلوب وتخاطب الروح لتنتشر ثقافة المحبة بين الاديان على الركح وبالايقاعات الموسيقية تراتيل الصلوات بمختلف طرائقها لتنشر المحبة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا