مسرحية «أجراس» إخراج عمر بن سلطانة: المسرح صوت الصادقين وذاكرة المنسيين

يصنعون أمجادهم الصغيرة، يحلمون ويصعدون على الركح لتحقيق احلامهم الجميلة، يرون في المسرح واجهتهم للحياة والنجاة ومن الفعل الابداعي يشحنون

قلوبهم الصغيرة بطاقة حب لا تنضب، المسرح عندهم فن ووثيقة تاريخية للتعريف بهويتهم وأمجاد من تناستهم كتب التاريخ هكذا يعملون في صمت ويحققون نجاحاتهم في نادي المسرح بدار الثقافة فندق الحدادين صفاقس الذي افتتح فعاليات الدورة الثانية لمسرح الهواة بقاعة المبدعين الشبان.
المسرحية بعنوان «اجراس» اخراج عمر بن سلطانة وهي متحصلة على جائزة العمل المتكامل في المهرجان الوطني لنوادي المسرح بدور الثقافة والشباب وقد افتتحت فعاليات مهرجام مسرح الهواية «دورة مكرم نصيب» والمسرحية تعبيرة عن قيمة الفن في التمسك بالحياة، الفن مطية للمقاومة والامل.
النساء مانحات للحب وللحياة
الفن طريق الحالمين ومنحى الصادقين، الفن وسيلة ليعبروا عما يسكن الروح ويخالج القلب ويسكن العقل، «اجراس» عنوان المسرحية، هي تعبيرة للفرح وانتصار للوطن والوطنيين، اجراس الحب دقّت وبصوتها الساحر اعلنت ان على هذه الارض وطنيون صادقون دفعوا الدم في الحرب ضد الاستعمار، وطنيون لم تكتب أسماؤهم في التاريخ الرسمي لكن الاغاني لازالت تحفظ أسماؤهم وتردد بطولاتهم.
«أجراس» مسرحية تنتصر للفن وللمراة، ابطالها نسوة «فرقة موسيقية بقيادة امرأة تدعى صلوحة» فرقة تمتهن الغناء والرقص تدافع عن افكارها بالفن والحركة والغناء، هنّ الصادحات بحقهنّ في الحياة، فرقة صلوحة ملجأ كل امرأة هاربة من جحيم الذكورية وقسوة المجتمع، فرقة صلوحة يكنيها اعداء الحياة «النواشز» (هو الجزء الاول من المسرحية الذي تحدث اكثر عن الفرقة) لأنهن رفضن العبودية المجتمعية والذكورية وقررن البحث عن سبل الحرية.
على الركح يصنعن الجمال، مريول فضيلة (فضيلة الشابي التونسية الحرة التي قتلت نفسها رفضا لسبها من رجال المستعمر الاسباني) و «الفولارة» بألوانها الموشاة بالورود و»الحرام» زيّ نسائي جميل مع حركات الممثلات اللواتي اتقن الرقص والكلمة، ممثلات حالمات صنعن على الركح امجادهنّ في شخصيات اكبر سنا واتقنّ ملامح الشخصية النفسية والجسدية، حركات متقنة، طريقة نطق جيدة واداء يشد انتباه المتفرج.
صلوحة وبناتها جزء من الذاكرة الجماعية التونسية، هنّ وكثير من النسوة ساهمن في حركات التحرر الوطني وحاربن بالفن والغناء والذكاء فالنسوة لم يكنّ خاملات او قنوعات بل كنّ جريئات يصنعن الامجاد بطرق مختلفة، على الركح تكون الموسيقى شخصية محورية ايضا فالموسيقى هي المرادف لكل المشاعر تارة تعبر عن اصوات مكتومة وطورا هي تعبيرة صادقة عن الفرح، الموسيقى تفصل بين اللوحات والمشاهد، الموسيقى بعضها من الموروث الغنائي القديم واخرى حديثة، فالموسيقى كانت دائما صوتا للقلوب الحالمة والارواح العاشقة، صوت للطبيعة والانسان وللحلم ايضا.
في «اجراس» ينتصر عمر بن سلطانة للمراة والفن، يقدس هذا الفعل الابداعي رديف الحياة، يعتبر من خلال عمله ان المراة كائن مقدس فهي مانحة الحب والامل، هي نور قدسي يصنع الثورة ومن صدقها وشرارة روحها تنطلق كل ثورات الحرية وتعبيرات الحياة، والفن سلاح للصدق لنحت الذات وكتابتها على الركح.
الفن مقاومة:
في اجراس توجد الكثير من اللوحات الراقصة، يرقصون وقت الفرح ويرقصون للتعبير عن الموت ويرقصون وقت الاشادة بنضالات النساء والوطنيين الصادقين، لغة الجسد تعبيرة حية وأزلية عن الحياة والرغبة في التجدّد، وسيلة للتعبير عن عظمة النساء وصدق مشاعرهنّ، الرقص والغناء من مقومات المسرحية، فعل ابداعي اتقنه الممثلين وكتبه بشغف مخرج العمل عمر بن سلطانة في دفاع عن الفن كمطية للنضال.
الفن ليس عيبا او ترفيها، الفن رسالة صادقة، الفن وسيلة للدفاع عن الذاكرة الجماعية، وسيلة للحفر في الاغاني التراثية وتجميع لاثار من حاربوا المستعمر نصرة للوطن والارض، الفن كان ولا زال وسيقى سلاح للدفاع عن كل الاحلام وكتابتها بطريقة مبهرة على المسارح لشحن المتفرج بطاقة من الصدق وشحذه بعزيمة لا تعرف الكلل او التعب.
ينطلق العمل بلوحة راقصة رجالية تجمع ثلاثة ممثلين بالقشابية والبرنس والشاشية، لباس تونسي قديم للاشارة الى الشخصيتات مع اغنية قديمة جدا، وكلما حدث حادث سياسي وقع التعبير عنه بالرقص، في المسرحية يتبع كاتب النص قصة بشراوي المناضل الصادث الهارب من جبروت الاستعمار والساعي الى استثلال بلاده، بين الشخصية المسرحية والاشخاص التاريخيين تشابه كبير أو تماه مطلق فكم من بشراوي ولد فترة الاستعمار وكان رصاصة قاتلة في كيان الاستعمار الفرنسي، في المسرحية يقع البحث في الهوية الوطنية التونسية، يقدمونها على الركح من خلال الرقص والغناء، يختلف اللباس والديكور حسب المشهد والموضوع، سرعة في تغيير الديكور وتماه بين الممثلين و الموسيقى، ابراز لقدرة الهواة على ايصال اصعب الشيفرات وأصدقها في عمل مسرحي متوّج بجائزة العمل المتكامل.
«اجراس» انجز بحرفية المحترفين وصدق الهواة، عمل ينتصر لتونس «في خاطر النار والثار، في خاطر الدموع والصياح، في خاطر الارض الي تحب ترتاح، في خاطر الفلاقة والثكالى» كما يقول العمل هو تعبيرة صادقة من تونسيين احبوا وطنهم واحبوا المسرح فاختاروه ليكون صوتهم الصادح بالحرية ويكتبون معهم امالهم واحلامهم الموشاة بالوان الوطن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا