مسرحية «روّح» في دار الثقافة الرقاب: فاطمة فالحي تحيي رميم ذاتها بالمسرح

المسرح فعل للمقاومة، المسرح علامة للحياة وانتصار للإبداع، ممارسة المسرح هو ممارسة للحياة وللحلم والأمل، على الركح تتحول تلك الهادئة

وتخرج من داخلها طاقة جبارة للإبداع، فاطمة فالحي ممثلة مسرحية، استاذة تعلم تلاميذها حب الابداع والشغف بالمسرح «الاستاذة التي زرعت بذور المسرح في الرقاب».
من الهناك جاءت من مدينة الرقاب من ولاية سيدي بوزيد اتت محمّلة بالاحلام اولها دراسة المسرح وممارسته، فاطمة فالح ابهرت جمهور مدينتها الرقاب بمناسبة الاحتفال بالذكرى الحادية عشرة لشهداء الرقاب، وقع الاحتفاء بالمسرح واحتفت المدينة بابنتها اعترافا بقيمة الفن الرابع في شحن الروح بطاقة المقاومة.

«روّح» عنوان المسرحية التي تقدمها فاطمة الفالح من اخراج خولة الهادف، «روّح» المسرحية الانثى هي رحلة في الجغرافيا والتاريخ والحقوق، رحلة تنطلق من العاصمة الى منطقة «الرضاع» من معتمدية الرقاب، الرحلة سوسيولوجية وانطروبولوجية تقدمها الممثلة بشغف الاطفال على الركح.
فاطمة فالحي استاذة تربية مسرحية، تحدت المجتمع المحافظ في الارياف لتدرس المسرح في تونس، تحدت عقلية مجتمعية ترى الفن عيبا وتريد لبناتها مهنة محترمة، تحدت الفقر والجوع والكيلومترات الكثيرة لتواصل دراستها وتتحصل على الأستاذية في مادة احبتها.
على الركح تعود فاطمة طفلة صغيرة تجبرك ان تعود بدورك الى طفولتك، ستبحث داخلك حتما عن الطفل النائم توقظه وتسأله عن وجعه المنسي، ستجدك امام مرآتك طفل عاريا لاهيا وحالما في الوقت ذاته، الى تلك الطفلة المتمسكة بالحق في انهاء التعليم، الى تلك الام المؤمنة بضرورة اتمام بناتها للدراسة لان العلم هو الوسيلة الوحيدة للخروج من دائرة التهميش، الى كل انثى تحدت الواقع الصعب ونجحت في اثبات ذاتها والنهوض بروحها كما طائر الفينيق تلعب فاطمة فالح بشغف طفلة لن تكبر مطلقا.
«روّح» تحملنا في رحلة في الزمان و المكان لتخوض في الذاكرة الفردية و الجماعية و تتطرق بطريقة فنية رائعة و ذكية لمواضيع من اليومي المعيش و لأخرى من من المسكوت عنه لتطرح أسئلة بسيطة وأخرى وجودية بأسلوب مميز وفريد، مسرحية «روّح» رائعة فنية وعمل راق يجعلك تفكر، وتتساءل وما تحبش تروح» كما كتبت ياسمين خضير احدى متابعات العمل في الرقاب.

«روّح» مسرحية متكاملة تحضر فيها مقومات النص المسرحي الناقد مع الاضاءة والموسيقى وتوظيف لتقنيات المابيغ بالاضافة الى حسّ نقدي مع مسحة من الكوميديا، عمل انساني ينحاز للمرأة وصراعاتها اليومية للبقاء، الحضور النسوي من خلال الشخصيات طاغ على المسرحية، «روّح» هو سيرة فاطمة فالحي وسير نساء كثيرات صنعن النجاح وعبّدن طرق الخوف والالم وحولنها الى ممر سهل لينجحن ويحققن ذواتهنّ، روّح مسرحية ذات طابع سوسيولوجي فهي تغوص في اعماق المراة الريفية تفكك شخصيتها وتحاول مناقشة افكارها واحلامها تقدم صورة عن المراة البسيطة الاحلام والاخرى الجموح وكلتاهما تشتركان في الرغبة في النجاح بالعمل اولا والسعي للخروج من دائرة التهميش الجغرافي والمجتمعي ثانيا، مسرحية مكتوبة بحبّ قدمتها فاطمة امام جمهور الرقاب بأكثر من الحبّ بحضور اساتذة صنعوا شخصيتها بالاضافة الى والديها وجميعهم من شخوص العمل المسرحيّ المقدّم.
عرض مختلف امام جمهور جد متعطش للفرجة والمسرح «شرف وخوف في الوقت ذاته، حلمت بتقديم عمل امام جمهور مدينتي لكني جدّ خائفة من المسؤولية» هكذا تحدثت قبل العرض بسويعات، وبعد طاقة الحب والابداع تلك علّقت «ها قد عدت الى الحياة بفعل المسرح وتشجيع جمهور مختلف ومميز، سكن الذاكرة والروح».

«روّح» المسرحية الذاكرة، في سيارة صغيرة تجمع فاطمة الفالحي بعد مكالمة قصيرة من والدها «روّحي» فتحمل الذاكرة والذكريات وتنطلق رحلتها من العاصمة الى «الرضاع» من معتمدية الرقاب، رحلة تتداخل فيها المواضيع الاسرية والعائلية والمجتمعية والوطنية، تنطلق بالتعليم الى الصحة الى الثقافة الى الوضعية الاقتصادية في المناطق البعيدة عن المركز، درس في الجغرافيا والتاريخ تقدم فيه لمحة عن اسماء بعض المدن وتاريخيتها مثل «سيدي عمر بوحجلة»، هي دعوة مباشرة للانسان لمزيد التمسك بحقه في الحلم وتحقيق ذاته، مسرحية جريئة «سمحت للخيال ان يتجاوز صلابة الحقيقة ونزعت قريحة المسافرة الى الهروب على محمل الابحار نحو عوالم الحلم والسحر والاضحاك حين تشتد المسؤولية وتقسو صروف الزمن وتبث فيها من روحها الكثير عبر رقصاتها وصخبها وابتساماتها وصياحها فكان الاداء مشبعا بالمشاعر راسخا متجذرا عبر لكنته العامية الضاربة في العفوية والتي نأت عن كل توشيح» كما كتب الاستاذ محمد علي الصالحي عن عرض «روّح».

احتفاء بشهداء الحرية واحتفاء بثقافة المقاومة ابدعت فاطمة فالح على الركح، استحضرت ذكريات الطفولة ونقدت حال البلاد الذي لم يتغير كثيرا، غاصت في المجتمع وكشفت قبحه وانتصرت للمراة وقوتها، رحلة طولها 300 كلم قدمتها في ساعة من الزمن تنقلت فيها من شخصية الى اخرى بكل براعة، فكانت فاطمة فالح «زلزال من المشاعر والمواقف والكثير من الصدق» امرأة تخوض معاركها الذكية وتنتصر للهامش من خلال المسرح، امراة من نار تشبه تونس في انبعاثها من رمادها كلمّا احرقت ابواب الامل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا