مسرحية «افان» إخراج شادي الماجري ضمن تظاهرة «circuit théâtre»: فلنحلم ولنسق أرضنا بالأمل علها تزهر حبا

تتواصل الرحلة في المدارس الابتدائية، يتواصل نثر الامل لدى الاطفال المتشوقين للفرجة، في مدرسة جبلية تحتضنها الغابة هي «المدرسة الابتدائية بوعبد الله»

التي تبعد 15كيلومتر عن معتمدية كسرى كان لقاء المتعة بين التلاميذ وفريق مسرحية «افان» التي تنقل صراع الخير والشر، صراع البقاء للاقوى ام للاذكى؟ في قصة تنطلق من واقعية كتبت بشعرية مطلقة، عمل مسرحي مشحون بالحب والرغبة في الابداع قدم لجمهور مميز وصادق.

«آفان» أول انتاجات مركز الفنون الركحية والدرامية بسليانة، نص لعلاء الفرشيشي واخراج شادي الماجري وتحريك العرائس لعلاء الفرشيشي وشادي الماجري ومحمد بن سليمة وبثينة الطوايبي وسينوغرافيا وليد الوسيعي وصناعة الملابس لعبد السلام الجمل وموسيقى لزين عبد الكافي واضاءة وجدي غزلاني وصوت محمد امين غزيل وتوثيق لمحمد امين بركاتي.

افان» رحلة في عالم عجائبي مبهر
اجتمع شباب على حب المسرح، يؤمن بأن الفعل الابداعي ضرورة حياتية، جمعهم الركح ليحلموا ويصنعوا عوالمهم المسرحية الموشاة بالالوان، من رحم التفكير في واقع الطفل التونسي وتقديم رسائل حقيقية اليه ولدت مسرحية «افان» بحث يؤكد للطفل ان العالم ليس ورديا فقط والاخيار لا ينتصرون في نهاية كل قصة، فالانسان تركيبة عجيبة وفي هذا العالم توجد كل الألوان ومنها الاسود والرمادي.
«افان» مسرحية عرائيسية، او «حلمة» مشتركة قدمها شادي الماجري ومحمد بن سليمة وعلاء فرشيشي وبثينة طوايبي. مجموعة تمارس المسرح وتقدمه بشغف الاطفال.

الى عوالم خيالية تكون رحلة العمل المسرحي امام جمهور من التلاميذ متعطش للفرجة، افان شخصية من المخيال الشعبي الامازيغي بعث فيها الفرشيشي الروح لتحيا على الركح وتصحب الجمهور الى عالم المغامرة والتحدي والصدق في زمن ندرت فيه عملة الصدق، في قرية ما سيطر عليها الجفاف لاعوام تقرر القبيلة إرسال الفتية حاملين «تغنجة» عروسة القش إلى أعلى الجبل للاستسقاء لتزهر الأرض من جديد.
في الحكاية يفرح «افان» صغير الماشية وهو هنا الراعي اليتيم وهو يحلم بالمطر، آفان شخصية بسيطة تحلم بحياة هادئة، شخصية طيبة تنثر الخير، راعي غنم القبيلة يحبّ قبيلته ومربيته سيليا رغم نبذ الآخرين له لآفان أوجه عديدة في المجتمع التونسي، لآفان شركاء في الرفض، هناك من ترفضهم العائلة والمجتمع فقط لتهمة الاختلاف وآفان مرفوض لأنه دون أب و امّ، شخصية يتقن الفرشيشي جيدا ملاعبتها وإيصال مشاعرها الصادقة فتبدو حزينة حينا ومبتهجة أحيانا، تونسي تقوده الرغبة في الحياة إلى تجاوز كل العقبات وإنقاذ الاخرين وان تنكروا له، تقابله شخصية أخرى اكثر بلاهة، شخصية منتشرة كثيرا في مجتمعنا ابناء الأسياد اولئك الذين يتباهون فقط بما أنجز الآباء، «اغيلاس» الشخصية «النكتة» شخصية ابن زعيم القبيلة وسيدها المستقبلي، شخصية يشحنها محركها محمد بن سليمة من روحه فتكون مضحكة ومختلفة، شخصية ترسخ بذاكرة المتلقي رغم كونها تمثل الجانب الشرير عكس أفان الخيّر.

تتسارع أحداث المسرحية حين يرفض سيد القبيلة خروج أفان في موكب تغنجة بتعلة انه راع ويسمح لابنه اغيلاس وبقية الأطفال بالمشاركة في الموكب ليكون صيد سهلا لعجوز «الستات» سيدة الأشرار وينقذهم أفان في مرحلة أولى من سحرها ثمّ ينقذ قبيلته من شر الحية البيضاء لتنهمر الأمطار ويعود الخصب إلى الأرض وحين يعودون إلى القبيلة يكرّم ابن الزعيم لأنه أنقذهم من الجفاف والموت ويواصل أفان طريق أحلامه بنثر الامل والخير.

حركية المحركين تصنع الفرجة
يحركون العرائس ويتبادلون الأدوار بسرعة، لاوجود للإضاءة لتشغل الطفل أثناء تغيير الديكور وحدها الموسيقى بين المشاهد هي الفيصل الزمني، يلعبون بأريحية وكانهم أطفال يشاكسون العرائس، أربعتهم يسكبون أرواحهم وحبهم على عرائسهم فتكون بهية وتقنع المتفرج وتشده اليها.
مسرح الطفل عالم صعب وإقناع المتفرجين من الأطفال يتطلب حنكة كبيرة في التعامل مع المادة المسرحية المقدمة، في أفان كانت لحمة المجموعة وصدقها في الاداء والايمان برسالتها سبب نجاح العرض وبقاء التلاميذ للفرجة طيلة الوقت.

«افان» ليست مجرد مسرحية عرائسية بل بحث مجتمعي وقيمي موجه الى الطفل، مسرحية مسكونة بالأمل تقدم للأطفال كل الخيارات تفتح لهم شبابيك التفكير ليكتشفوا الخير والشر وحب الاخر والانانية، تضعهم في سبيل المعرفة وتشجعهم على الانتصار للقيم النبيلة مع الاقرار بوجود اشرار بيننا، مسرحية تضع الأطفال أمام الحقيقة فلا وجود لعالم وردي مطلق والبطل من يحاول إسعاد الآخرين وتحقيق ذاته وليس معهما ان يربح الصراعات او يصبح قائد المجموعة كما تقول احداث المسرحية.

افان عمل كتب بروح طفولية وقدّم بشغف الأطفال الى جمهور من الأطفال، عمل مسكون بطاقة حب عجيبة، لكل شخصية مميزاتها وكل عروسة تتماهى مع محركها، «اغيلاس» يضحك المتفرج رغم غبائه المفرط وادعائه الشجاعة، و»افان» يسرق تعاطفهم لحنكته وذكائه و»سيليا» رمز الام والخصوبة والأرض والزعيم والحكيم لكل منهما دوره في المجموعة، أربعة محركين يتبادلون الشخصيات ويتقنون الأداء من خلال تغيير الصوت والنظرات وملامح الوجه حسب متطلبات كل شخصية، صراع مع الوقت امام الجمهور دون مؤثرات اضاءة او الظلام، امتحان اثبت انّ المجموعة محترفة تؤمن بقدرة الممثل على النجاح في كل الوضعيات وتؤكد ان المسرح فعل للمقاومة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا