عرض «دم بارد» لحسام الدين عاشور ضمن أيام قرطاج الكوريغرافية: الأجساد ترقص ضدّ التعنيف والتعذيب

تصرخ الاجساد ضد اشكال الانتهاك، تصرخ ضد العنف والخوف وتحاول الانتصار للحياة، ترقص الاجساد لتنشر مسحة من الامل في فضاء

داكن موشى باللون الاسود، لون الخوف والظلم، ترقص الاجساد لتنتصر للإنسان وتدافع عن حقوقه فلغة الجسد لغة عالمية لغة يعتمدها حسام الدين عاشور صحبة كوثر محله وخلود بن عبد الله وعمار جباهي للدفاع عن الانسان المعنّف في عرض «دم بارد» اضاءة وسينوغرافيا طارق بوزيد وصوت راسم دريدي.
وعلى ضوء زيادة معدل الجريمة على المستوى الوطني، بما في ذلك القتل والعنف بمعدل مثير للاشمئزاز و الدهشة، ومع ذلك، فمن المثير للسخرية أن هذه الجرائم أصبحت شبه عادية وأضحت مألوفة بسبب كثرة حدوثها في مجتمعنا، من هنا استلهم العرض عنوان «الدم البارد» لإدانة تفاقم هذه الظاهرة وفضح أسبابها الواهية وتوعية الجمهور بخطورة الجريمة ودعوته إلى إعادة التفكير في هذا الموضوع عبر طرح فني حالم ومقاوم، متمرد وملتزم بقضايا شعب.

الجميع متهم بالصمت تجاه العنف
الجسد يصرخ ضدّ التعنيف، الجسد يكتب تعويذته ليحمي نفسه والروح البشرية من الاعتداءات الكثيرة، الجسد حمال شعارات تناهض العنف والتعذيب وتنادي بضرورة تطبيق القوانين ومحاسبة كل من يعتد على حرمة الانسان الجسدية والنفسية، ولان للجسد لغته الخاصة القادرة على اختراق اعتى الشيفرات اختاره حسام الدين عاشوري مطية للنقد، ليسلط الضوء على ارتفاع ظاهرة العنف في تونس من خلال لغة الجسد.

«دم بارد» هو عنوان العرض هي كلمة تطلق في الدارجة التونسية وتعنى اللامبالاة ومرحلة «الدم البارد» عادة ما يصلها الانسان بعد تواتر الكثير من الاحداث الموجعة حدّ التأقلم مع فكرة «العنف» كذلك هو العرض الكوريغرافي يريد صفع الاعين الضبابية التي تعودت مشاهد العنف والصمت، على الركح اربعة اجساد ترقص وتتحرك بسرعة وكأنها تصارع الوقت و تسابق دقات قلب الضحية التي تتعرض للتعنيف.

«دم بارد» بين الفكرة الابداعية والتهمة الموجهة الى كل التونسيين، فحسب العرض جميعنا ضحيا الى حين وكلنا متّهمون، جميعنا ضحية للتحرش والتعنيف في وسائل النقل و الشارع عنف جسدي ونفسي، هرسلة يتعرض لها المختلف (في اللباس، طريقة المشي، تسريحة الشعر، الاكسسوارات) كلها دوافع تعرّض الشخص للعنف ماديا ومعنويا خاصة النساء فوسائل النقل اصبحت بؤرة للتحرش والتعنيف وفي الشارع على المرأة التسلح بسلاح القوة و معجم لفظي معين لتستطيع المشي او التجول بمفردها في الشوارع التونسية وكلما حاولت الدفاع عن نفسها تتهم «اخلاقيا» بالعديد من التهم التي تبرر تعرضها للعنف كما تحدث جسد الكوريغراف في مشهد تتعرض فيه الضحية للضرب والسقوط ارضا ثم يوضع حذوها رقم وكان ذاك الكائن اصبح مجرد رقم.

والجميع متهّم لأنه تعوّد فكرة التعنيف وتعوّد مشاهدتها في الفضاءات العامة وقراءتها على مواقع التواصل إلى حدّ أنها اصبحت ظاهرة عادية واعتيادية، وأصبحت اخبار التعنيف إلى حدّ الموت والاغتصاب الجماعي والضرب المبرح حد الموت يومية اعتادها التونسي واستهلكها وبات التعامل معها بلا مبالاة مطلقة وأصبح ضحايا التعنيف مجرد ارقام في ملفات الجمعيات الحقوقية وكذلك في ملفات الامن وأحيانا تكون ردة الفعل حادة بهاشتاق ضدّ العنف او هاشتاق للتضامن مع الضحية لكن حدته تخفت تدريجيا كما النار الموقدة بالتبن.

الأجساد تصرخ ضدّ العنف
اجساد الراقصين تكون كشرارة نار ملتهبة، الحركات متسارعة كما نبضات قلوب المعنفين، الاجساد ترقص على صوت الوجع و الضيم، تحاول الانعتاق من المحيط الضيق (المربع الابيض المرسوم فوق الرمح) الى فضاء اكثر اتساعا تحترم فيه حقوق الانسان الجسدية والمعنوية، في العمل الكوريغرافي محاولة لتسليط الضوء على خطورة العنف ودعوة لإيقاظ الضمائر النائمة التي تعودت مشاهدة العنف والسكوت عنه، في العمل تحمل المسؤولية للمواطن والمسؤول فكلاهما يمارس العنف وكلاهما يستكين حين يعترضه مشهد تعنيف، في «دم بارد» تكون اجساد الراقصين مطيتهم للانتصار للانسان وانسانيته ورفض كل اشكال الانتهاك.

«دم بارد» عمل كوريغرافي ترقص فيه الاجساد على موسيقى الخوف، الموسيقى التي تتصاعد تدريجيا كما الخوف الساكن في الضحية، الموسيقى المتشابهة مع وقع اقدام الجلادين موسيقى تتماهى مع مشاهد التعذيب والتعنيف واضاءة خافتة كانها محاولة للدخول الى الجوانب المظلمة في الجسد البشري وكشفها للمتفرج، تلك البقع السوداء المخبئة في مكان ما بالروح او الجسد هي بقايا التعنيف، بعضها يحفظه الجسد شامة وذكرى واخرى تخبئها الروح قنديلا للوجع، اجساد الراقصين الحرة والمتحررة تقترب من الانفعالات النفسية للمعنفين، تشاركهم الخوف والانطواء وتحاول التمرد على السائد منتصرة لفكرة الحرية وكرامة الجسد البشري والذات الانسانية.

«دم بارد» العرض الصفعة، صفعة للفرد والمجموعة، هو دعوة مباشرة للسلطة والدولة لتطبق القوانين الكثيرة المناهضة للتعنيف، دعوة مباشرة للسلطة لتخرج القوانين الى حيز التنفيذ وعدم الاكتفاء بانجازها ودعوة لمحاسبة ممارس فعل التعنيف فردا كان او مجموعة، مواطنا كان او امني او مسؤول ففعل التعنيف مدان انسانيا ومرفوض كما صرخت اجساد الراقصين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا