مسرحية «الضيف» إخراج محمد الصحبي بن حسن في فضاء «ميم جيم» بالساحلين: الركح صوت للنقد وصرخة للحياة

المسرح مشاكسة للواقع ونقد له، المسرح التزام بالانسان وقضاياه ودفاع عن حقوقه، والمسرح وسيلة الفنانين للصراخ ضد السلطة و ضد سياسة التهميش

والاقصاء ووسيلتهم ليدافعوا عن فنهم ووجودهم، وفي اطار الدفاع عن حق الجهات في المسرح وتقديم مادة ابداعية دسمة قدمت شركة «ميم جيم» للانتاج مسرحيتها «الضيف».
«الضيف» العمل المسرحي الجديد لشركة «ميم جيم» للإنتاج الفني، إقتباس و إخراج محمد الصحبي بن حسن عن مسرحية «الحارس» للكاتب الإنقليزي « هارولد بنتر « أداء كل من شكري سلامة غسان الغضاب وطلال أيوب.

انسجام المبنى والمعنى
اداء مربك، كلاهما يتقن جيدا الانتقال من شخصية الى اخرى، ممثلان مختلفان فكرا وشكلا لكنهما ينسجمان على الركح ليبدوا أحيانا وكانهما شخص واحد، لكل منهما طريقته في تقمص الدور وتقديم الشخصية، لكل وسائله والياته ليشد اليه انتباه المتفرج، كلاهما يؤمن بأن ممارسة الفعل المسرحي هي ممارسة للحلم و الحياة، طلال ايوب وغسان الغضاب يؤديان الشخصيات المرجع في مسرحية الضيف، وكلّ منهما يتقن شخصيته بطريقة تشبه.

غسان الغضاب الممثل المجنون في شخصياته وادائه، في المسرحية يقدم شخصية صاحب المنزل، فنان انهكته السلطة والدفاع عن الآخرين، عرائسي يصنع عرائسه ويسكبها من روحه الكثير من الحب والطاقة، يتجول بين المسارح والبلدان ليقدم عروضه المبهرة للاطفال والكبار، فنان يتقن الانتقال بين الأدوار وبين الشخص والشخصية الكثير من التشابه فغسان الغضاب الممثل مجنون بادواره وله افكاره المختلفة وأدواره «الفلتة» على الركح.

في المسرحية تعرض البطل إلى أزمة نفسية ثمّ تعاقبه السلطة بالتعذيب إلى حدّ الشعور بفقدانه لملكة العقل واقترابه من الجنون، ليواصل بقية حياته في غرفة معزولة يصلح الضوء ويصنع الديكور وعرائس تشبهه فقط في وحدته وغربته، في المسرحية أتقن الممثل الشخصية، تجانس مطلق بين الإضاءة والأداء في الدور المركب يتقن الممثل الانتقال من وضعية نفسية إلى أخرى ويسلط الضوء على تفاصيل الوجه بطريقة سينمائية ليبرز أدائه الصادق و إتقانه لملامح الشخص والشخصية.

الشخصية الثانية يجسدها الممثل طلال ايوب، ممثل يعرف جيدا التنقل بين الأدوار والشخصيات، يستعمل جسده ويترك له الحرية للرقص والتعبير مع تمازج في ملامح الوجه والحركة، شخصية مركّبة يعرف الممثل خباياها وكيفية الولوج الى دواخلها ليتقمصها بصدق، طلال أيوب وهو من الممثلين الصادقين الذين يجذبون اليهم انتباه المتفرج في مسرح العلبة ومسرح الشارع.

الشخصية الثالثة للضيف يجسدها الممثل شكري سلامة، شخصية الضيف المزعج والمتقلب، شخصية تبدو بسيطة شكلا لكنها عميقة ومركبة مضمونا لانها وسيلة الربط بين الأحداث وتصاعد نسقها من عدمه، الممثل شكري سلامة كان مميزا في الأداء درس شخصيته جيدا قبل تقديمها، في أدائه انسجم مع الممثل غسان الغضّاب لتشاركهما في أكثر من مشهد وحدث، بتلقائية يتقن الممثل شخصيته ويقنع جمهوره.

اداء الممثلين تمازج مع وسائل السينوغرافيا خاصة الإضاءة والموسيقى فالاضاءة تكون وسيلة المتفرج ليتعرف على الشخصيات وانفعالاتها النفسية وأفكارها، الإضاءة الخارجة المسلطة على الوجه والمكان تفصيلة لايضاح رسائل العمل والتعريف بالشخصيات، الموسيقى لبنة في العملية الابداعية، الموسيقى وسيلة الشخصيات للحركة للانتقال بحرية في الفضاء المسرحي ثم الفضاء العام، الموسيقى تقترب من خلجات الروح وتنقلها الى الجمهور لتكتمل العملية الابداعية مبنى ومعنى.

المسرح مشاكسة ونقد
«الضيف» هو عنوان المسرحية، الضيف في العمل شخص معدم يستضيفه صاحب الغرفة ليتحول إلى مالك لها ويرغب في طرد المالك الحقيقي، الضيف له العديد من الرمزيات فهو الشخص غير المرغوب الذي يفرض نفسه على الاخرين ليكون ثقيل الظل والفكرة، هو الافكار السوداوية المنتشرة بين الفنانين وبين الناس العاديين، الضيف هو الوباء المنتشر منذ عام ونيف هو فكرة الهروب من المكان والزمان والبحث عن بديل انساني، الضيف في المسرحية يمكن ان يكون شخصا او فكرة او قيمة، هو كناية عن الشيء غير المرغوب في وجوده.

المسرحية تقدم الكثير من الرسائل الناقدة في شكل شيفرات بين الجمل غير صريحة، نقد للسلطة التي تستغل اصوات الناخبين وبمجرد الوصول الى المنصب تصمّ آذانهما عن مطالبهم فيصبحون كما البيادق في لعبة الشطرنج، نقد لمعاناة الفنان في تونس والتجائه الى مهنة اخرى للعيش لان الفن والحلم لا يوفران القوت للفنان، الفنان الحالم والمحب لعرائسه والصانع الماهر لها يحال الى زاوية مظلمة فقط لانه مختلف، وبين المسرحية والواقع تشابه كثير فكم من فنان عزلته الايام و تناسته السلطة حتى اصبح منسيا وتذكرته يوم وفاته وابنته بكلام موجع وورود توضع على قبره لحظات الوفاة، كم من عرائسي نسيه ممارسو المسرح والمشرفون على تظاهراته وتذكروه بعد وفاته او في ساعات المرض الاخيرة، في المسرحية نقد لحال الفن والفنانين بطريقة تقوم على الضحك والسخرية ووسط تلك الضحكة الكثير من الوجع والخوف ينقله ممثلون على الركح علّ المتفرج يشاركهم هاجس الخوف ولعلّ السلطة تغير استراتجياتها في التعامل مع الفنانين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا