فوانيس الهداية : التأني من الله (1)

إن الإنسان بطبعه عجول يود لو أدرك كل شيء بسرعة، وقد بين الله تعالى هذا الأمر الذي استقر في نفوس بني آدم فقال: "وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا" الإسراء :11. وقال:"خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ"الأنبياء:37

ولما كانت هذه العجلة تجلب على صاحبها المتاعب وتوقعه في الإشكالات؛ ندب الشرع إلى تربية النفس على التأني في أمور الدنيا، ونقصد بالتأني هنا : عدم العجلة في طلب الأشياء والتمهل في تحصيلها. وإذا كان الله تعالى قد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ " طـه:114. وهذا في تلقي القرآن فإن التأنّي يكون مطلوباً من الإنسان في أمور حياته كلها.

لا تـعـجـلن لأمـر أنت طـالـبــه *** فقلما يدرك المطلوبَ ذو العجل
فذو التأني مُصيب في مقاصـده *** وذو التعجل لا يخـلو عن الزلل

والأناة المطلوبة، تمتاز بالتثبت والتمهل والبعد عن التعجل والتسرع، لما للتعجل والتسرع من عواقب سلبية وخيمة. قال العلامة المناوي رحمه الله: "العجلة تمنع من التثبت والنظر في العواقب، وذلك مُوقع في المعاطب، وذلك من كيد الشيطان ووسوسته".
قال النابغة:

الرفق يُمن والأناة سعادة*** فَتَأنَّ في رفق تلاقِ نجاحا

• التأني من الله والعجلة من الشيطان:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "التّأنّي من الله والعجلة من الشّيطان"رواه أبو يعلى.و إذا كان التأني من الله ، فإن الله يحبه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة".البخاري ومسلم.
وعن عبد الله بن سرجس المزنيّ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: "السّمت الحسن والتّؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النّبوّة".
فقد تأنَّى نبيُّ الله يوسف -عليه السَّلام- مِن الخروج مِن السِّجن حتى يتحقَّق الملك ورعيَّته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، وامتنع عن المبادرة إلى الخروج ولم يستعجل في ذلك. قال تعالى"وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ" يوسف: 50.
قال ابن عطيَّة: "هذا الفعل مِن يوسف -عليه السَّلام- أناةً وصبرًا وطلبًا لبراءة السَّاحة".
قال زهير: منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ***أنَّا بِطاءٌ وفي إبطائنا سرع
والتَّأنِّي مطلوبٌ في كثير من الأحوال والمواقف التي تمرُّ على الإنسان، ومِن هذه الأحوال:

1 - التأني في الدعاء: ونقصد به أن يقدم المسلم بين يدي دعائه الثناء على الله والصلاة على نبيه فإن ذلك أرجى لقبول دعائه، أما أن يدخل في الدعاء مباشرة فإنه من العجلة، فقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي فقال له: " عجلت أيها المصلي "، وسمع رجلاً يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ادع تُجب وسل تعط".
ومن العجلة في الدعاء أن يستبطئ الإجابة ، فيترك الدعاء بزعم أنه يدعو ولا يستجاب له، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربّي فلم يستجب لي".

يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا